مما لاشك فيه إن تحديات الأمن القومي المصري ومحاولاته هي صياغة للأمن الاقليمي الحالي.
إن الجهات الوطنية المعنية تهتم بصياغة أهداف الأمن القومي المصري بالسعي لتوفير القدرة بمفهومها الشامل (سياسية -عسكرية – اقتصادية –أمنية – علمية – تكنولوجية – معنوية…) لصالح تأمين كيان الدولة، وحماية مصالحها الحيوية في مواجهة أي تهديدات أو مخاطر سواء داخلية أو خارجية، وبالشكل الذي يتسق مع تحقيق الأهداف القومية للدولة، مع اتخاذ الإجراءات التي تضمن تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في مختلف المجالات.
هناك العديد من تحقيق أهداف الأمن القومي للعديد من التحديات نتيجة استمرار الخلل في موازين القوى بالشرق الأوسط، في ظل نزوع القوى الإقليمية والدولية لاستخدام القوة لتعزيز نفوذها وسيطرتها على الإقليم، وتنافس دول المنطقة في سباق للتسلح، واتجاه بعض دول المنطقة لإقامة تحالفات إقليمية ودولية لمواجهة المخاطر.
ونري بأن التهديدات التي تتعرض لها، مع أستغلال تلك القوى لهذا المناخ في ممارسة قدر من الضغوط على بعض دول المنطقة لتبنِّي مواقف وسياسات تدفع نحو إعادة رسم توازن القوى بالإقليم، ارتباطًا بظهور عدائيات جديدة من أطراف إقليمية غير عربية ( إيران – تركيا).
يمكن توصيف أهم التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة العربية على النحو التالي:
١/ المخاطر الأمنية التي تشكلها إيران على دول المنطقة، وتحديدًا دول مجلس التعاون الخليجي، بتدخلها السلبي، وتوظيف قدراتها العسكرية والأمنية لاختراق وتحقيق أطماعها في دول منطقة الشرق الأوسط.
٢/ دعم النظام التركي لبعض التيارات المتطرفة داخل بعض الدول العربية (سوريا- العراق- ليبيا- مصر)؛ لزعزعة استقرارها، فضلًا عن قيامها بنقل قيادات الصف الثاني والثالث من تنظيم داعش إلى الأراضي الليبية؛ لتعزيز نفوذها وسيطرتها على منطقة الساحل والصحراء.
٣/ سيطرة القوى والأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة على الائتلاف الحكومي في إسرائيل، وتزايد دور أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في اختراق الأمن القومي العربي.
٤/ حالة الانفلات الأمني والفوضى التي تمر بها بعض الدول العربية، وما تعكسه من مخاطر، سواء على أمن المنطقة العربية، أو على استقرار محاور الملاحة البحرية العالمية (مضيق هرمز- مضيق باب المندب – قناة السويس).
٥/ سعي التنظيمات التكفيرية (داعش في العراق – جبهة النصرة في سوريا – أنصار الشريعة وداعش في ليبيا – حركة الشباب في الصومال) لبناء إمارات متطرفة بعد إسقاط النظام السياسية الحالية بالمنطقة العربية.
٦/ إهتمام القوى الدولية والإقليمية بإنشاء قواعد عسكرية خاصة بها في المنطقة، أو إبرام اتفاقيات تعاون عسكري، أو تشكيل تحالفات عسكرية جديدة مع الدول العربية.
وقد أسهمت التحديات المستحدثة التي تواجه المنطقة العربية في تشجيع الولايات المتحدة الأمريكية على تبنِّي سياسات تدفع نحو تشكيل أطر جديدة لتعزيز الأمن الإقليمي، وإعادة هيكلة ترتيبات الأمن الإقليمي، يمكن إيجاز أهمها على النحو التالي:
أولًا: اتفاقية الدول المشاطئة للبحر الأحمر
وجهت الدول العربية استراتيجياتها لجعل منطقة البحر الأحمر منطقة مستقرة (بحيرة عربية) والبعد عن الصراعات الدولية، والعمل على تحجيم النفوذ الإيراني والحد من التدخل السلبي للنظام الإيراني في دول الإقليم الرامي لإحباط المخطط الغربي لتشديد الحصار البحري عليه في مياه الشرق الأوسط، وتعزيز مصالحه الاقتصادية ووجوده العسكري في البر والبحر والمواني المطلة على البحر الأحمر، وفى هذا الإطار اتفقت الدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن على تأسيس كيان يهدف إلى حماية حركة التجارة والملاحة العالمية والدولية ويضم سبع دول (السعودية، مصر، السودان، جيبوتي، اليمن، الصومال، والأردن)، حيث تم إعلان تأسيس هذا الكيان من خلال وزراء خارجية الدول السبع في ديسمبر 2018 بمدينة الرياض.
تجدر الإشارة إلى أن فكرة اتفاقية الدول المشاطئة قد جاءت بمبادرة من مصر في ديسمبر 2017، حيث سعى العاهل السعودي الملك «سلمان بن عبدالعزيز» لتطويرها لاحقًا؛ لتعزيز جوانب الأمن والاستثمار والتنمية، باعتباره شريانًا رئيسًا للملاحة وحركة التجارة من الشرق إلى الغرب، وقد استهدفت مصر والسعودية من هذا الكيان العمل على تعزيز الاستقرار، وتسوية الأزمات في الإقليم، وبصفة خاصة أزمة الملف اليمني، بتوفير عمق استراتيجي لليمن، وإقامة تكتل إقليمي يدافع عن أمنه واقتصاده، وإيجاد حلول مقبولة للأزمات المستمرة في إقليم البحر الأحمر، ومنطقة القرن الإفريقي، وبما يتطلب ضرورة قيامهما بالتنسيق مع دولتين مؤثرتين في أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهما إريتريا المطلة مباشرة على البحر الأحمر، وكذلك إثيوبيا صاحبة التأثير في منطقة القرن الإفريقي والتي توترت علاقاتها مع كلٍ من القاهرة والخرطوم والرياض بصورة كبيرة في الآونة الأخيرة، للحيلولة دون لجوء بعض القوى الإقليمية (تركيا – إيران – قطر) لتشكيل كيان موازٍ يضم إريتريا وإثيوبيا عن طريق تقديم مساعدات مالية وعسكريّة، خاصة في ظل الدعم التي تقدمه كل من تركيا وقطر للنظام الإثيوبي لمواجهة أزمته الداخلية مع إقليم تيجراي.
ثانيًا: التحالف الدولي لأمن الخليج العربي
يعد التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية وضمان سلامة الممرات البحرية، أحد التحالفات العسكرية البحرية الدولية، والذي تم تأسيسه في عام 2019، ومقره في البحرين، ويضم في عضويته 7 دول، وقد برزت فكرة تشكيل تحالف عسكري دولي لحماية أمن الملاحة البحرية في الخليج العربي، في 9 يوليو 2019؛ وذلك نتيجة تكرار الاعتداءات الإيرانية على ناقلات النفط في مياه الخليج بعد تشديد العقوبات الأمريكية على طهران. ويضم التحالف في عضويته 6 دول من الـ 62 دولة التي دعتها الولايات المتحدة الأمريكية للانضمام إلى التحالف، منهم 3 دول عربية، وهي البحرين ويوجد بها المقر الرئيس للتحالف، والسعودية، والإمارات، والولايات المتحدة الأمريكية وهي صاحبة فكرة إنشاء التحالف، كما أن عمل التحالف سيكون تحت قيادتها، وبريطانيا، وأستراليا.
وعلى الجانب المقابل، رفضت إيران فكرة التواجد العسكري الدولي في مياه الخليج، واعتبرت هذا التحالف محاولة فاشلة لترسيخ التواجد الأجنبي في المنطقة، ومن ثمَّ اعتبار أي انضمام إليه بمثابة اعتداء على السيادة الإيرانية، وستتعامل معه باعتباره تحالفًا عدائيًّا، مع تقديم الحكومة الإيرانية رسميًّا مبادرة لتشكيل تحالف دولي لضمان الأمن في منطقة الخليج.
يضم كلًّا من إيران والسعودية والعراق والبحرين وقطر، وفي الوقت نفسه، أعلن العراق عدم انضمامه إلى أي قوة تحمي الممرات المائية في الخليج العربي؛ حيث يرى أن أمن الخليج العربي مسؤولية الدول المطلة عليه.
وقد أعلنت إسرائيل مشاركتها في التحالف بشكل استخباراتي، خلال كلمة وزير الخارجية الإسرائيلي «يسرائيل كاتس» في الكنيست، كما تسعى في أعقاب تطبيع علاقاتها مع كل من الإمارات والبحرين في أغسطس 2020 لتعزيز التعاون العسكري في مواجهة التهديدات الإيرانية، وإقامة مشروعات تعاون اقتصادي لتأمين حركة تدفق النفط من منطقة الخليج العربي إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية عبر الموانئ الإسرائيلية