إن الكتابة في الأمور التى تتعلق بالاسرة اشبه بالسير في حقل من الألغام ، فلن تسطيع إرضاء الجميع وهذا طبيعي لأننا لسنا نُسخاً مكررة من بعضنا البعض كذلك تختلف افكارنا وثقافتنا ، ولهذا أسطر مقالي هذا وانا علي يقين تام بأنني لن أستطيع إرضاء الجميع بل وقد أتعرض لنوعاً من الهجوم.
ولكنني وبرغم ذلك سوف أتحدث بما يُمليه علي ضميري وما يرضي الله ولا شأن لي بخلقه.
للأسف غالبا ما نصرف الكثير من الجهد في شرح البديهيات المتعلقة بالمرأة الإنسان، لأن المجتمع ألبس المرأة صفة طهرانية ملائكية، يصعب معها تقبل بشريتها، وطبيعية احتياجاتها، بل إنها تُلاحق حتى في خيالاتها وأفكارها، ويطلب منها أن تنزهها عن أي خاطر لا يتوافق مع القالب الذي فرض عليها، في حين يتم التسامح المبالغ به مع احتياجات الرجل وزلاته البشرية، حتى لو بلغت مبلغا فيه فساد كبير، وسبب ذلك هو “تفهم” المجتمع للرجل، في حين تبقى المرأة بسبب صمتها ضحية للافتراضات غير الدقيقة، والصور النمطية الملائكية التي ما أنزل الله بها من سلطان.
أباح الله للمرأة المسلمة الخلع، بأن تعطي زوجها ما أخذت منه أو أقل أو أكثر ليفارقها، وقد شرع الله الخلع للمرأة في مقابلة الطلاق للرجل، وجعله طريقاً للخلاص من الخلاف. والدليل على مشروعيته هو قول الله في سورة البقرة في الآية 229: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾، فكما أعطت الشريعة الإسلامية للرجل حق الطلاق ليستطيع أن يلجأ إليه كعلاج أخير يتخلص به من زواج رأى أنه لم يؤدِّ الغرض المقصود منه، وفي مقابل ذلك أعطت الشريعة الإسلامية للمرأة حق الخلع، لتتخلص من زواجها إذا رأت أنه لم يؤد الغرض المقصود منه.
في أول مخالعة زوجية في تاريخ الإسلام قالت زوجة ثابت بن قيس الصحابية لرسول الله عليه الصلاة والسلام: “يا رَسولَ الله، لا يَجمَعُ رأْسِي ورأسَهُ شيءٌ أَبَداً، إنِّي رفعْتُ جانِبَ الخِبَاء، فرأَيتُهُ أقبَلَ في عِدَّة، فإذا هُو أشدُّهُم سَواداً، وأقْصَرُهم قَامةً، وأقْبَحَهم وجْهَا!”
أي أنها رأت زوجها قادماً بين مجموعة من الرجال، فوجدتهم جميعا أجمل منه، ووجدته أقبحهم شكلاً، وفق معايير ذلك المجتمع الجمالية إذ ذاك، لذا فإنها كرهت أن تظل معه رغم أنها حسب نص الحديث قالت: ” وَاللَّهِ مَا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ، وَلاَ خُلُقٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلاَمِ” أي أن بغضها له كان لقبح شكله أمام غيره من الرجال فقط، رغم حسن أخلاقه ودينه، فماذا كان جواب رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ وانتهى الأمر!
ولا زلنا نتداول هذه القصة منذ أكثر من ألف وأربعمئة سنة، دون أن يطلب رسول الله كتمانها عن الناس لأنها تدعو للفساد وتبرر للخيانة أو لإعجاب المرأة بغير زوجها، ودون أن يعتبرها الصحابة خادشة للحياء، ودون أن يسيء أحد إلى هذه الصحابية رضي الله عنها، والتي عبرت عما تشتهي نفسها في الرجل، وعما تبغضه بكل أريحية، وفي قصة امرأة رفاعة القرظي لمن يعرفها أمر أعجب بالنسبة لمجتمع اليوم، فهل يمكننا أن نتخيل حوارا كهذا يجري في وقتنا هذا؟ هل يمكننا أن نتخيل امرأة تقول إنها ترى غير زوجها من الرجال أكثر جمالا ولذا تبغضه وتريد تطليقه، أو تريد تركه للعودة لسابقه لأنه أفضل في الفراش؟ لو حصل ذلك في مجتمعنا لتم وصم هذه المرأة بأسوأ الصفات من نقص الإيمان إلى قلة الحياء إلى الفجور وغير ذلك، على الرغم من بساطة هذا الأمر وبشريته وطبيعيته.
يعتبر الإسلام المودة والمحبة والاحترام بين الزوجين الأساس للحياة الزوجية السعيدة فهي تعين أيضا على طاعة الله، لذا يعتبر أنه ليس من العدل أن تشعر امرأة بالنفور من زوجها لأي سبب، ثم تُرغم على المعيشة معه، لأن الحياة الزوجية بهذا الشكل لا خير فيها للزوجين أو للمجتمع. وفي المقابل يعتبر الإسلام حكم الخلع هو نفس حكم الطلاق، فهو مُباح ولكنه مَبغوض، وقد نهت عنه الشريعة الإسلامية إذا كان لغير سبب مشروع كرغبة الزوجة في فراق زوجها لكي تتزوُّج من آخر، ولذلك قال النبي محمد: «أيما امرأة اختلعت من زوجها بغير نشوز، فعليها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، المُختلعات هنَّ المنافقات»، كما يحرم في الإسلام أن يقوم الرجل بالتضييق على زوجته متعمدا لكي تطلب الخلع منه، وقد ورد النهي عن هذا الفعل في قول الله في سورة النساء الآية 19: ﴿وَلاَ تَعْضُـلُوهُنَّ لِتَذْهَبُـواْ بِبَعْـضِ مَـا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، والعضل هو الحبس والتضييق والمنع والتشديد والإضرار، وقد يكون ذلك لحمل المرأة كرهاً على ترك صداقها أو بعضه لزوجها لقاء طلاقه لها مع أنه هو الكاره لعشرتها.
وتشريع الخُلْع إنما هو للتوقي من تعدي حدود الله تعالى فيما يتعلق بحقوق كل من الزوجين تجاه الآخر، وأنه شُرِع لإزالة الضرر الذي يلحق بالمرأة من خلال المقام مع من تكرهه وتبغضه، وهكذا يراعي الإسلام جميع الحالات الواقعية ويواجه الفطرة مواجهة صريحة عملية ويراعي مشاعر القلوب الجادة حيث لا مجال لقيام الزوجية مع النفور المستحكم بينهما.
وبالختام
نفي الأزهر الشريف ما نسب للإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بشأن أن “خلع المرأة في المحاكم ليس طلاقا شرعيا وإذا تزوجت بعد الحكم فهو زنا”، حيث انتشر الخبر المزيف في شكل تصميم على مواقع التواصل الاجتماعي منسوبا لشيخ الأزهر.
وأكد الأزهر – وفق بيان صحفي موقف الإمام الأكبر من “الخلع” حيث صرح بالحلقة الثامنة في برنامجه الرمضاني “الإمام الطيب” في شهر رمضان، بأن الاختلاع من الزوج المتعسف في إمساك زوجته وحبسها رغم أنفها هو حق أعطته الشريعة للزوجة التي تكره زوجها وتريد فراقه في مقابل حق الطلاق الذي منحته للزوج الذي يكره زوجته ويريد فراقها.
ولفت شيخ الأزهر النظر إلى هذه المساواة البالغة الدقة بين الزوج وزوجته في الحقوق والواجبات، مؤكدا أنه إذا كان من حق الزوج أن يطلق زوجته مع الالتزام بأداء كل ما يثبت لها من حقوق، فكذلك من حق الزوجة أن تخلع زوجها مع الالتزام بأداء كل ما يثبت له من حقوق.
وأضاف شيخ الأزهر: أنه بالرغم من أن باب الطلاق وباب الخلع متجاوران في كتب الفقه التي تدرس لطلاب الأزهر الشريف منذ قديم الزمن وحتى يومنا هذا إلا أن أحكام الشريعة المتعلقة بحق “الخلع” لم يكن لها حضور مؤثر لا في دور الإفتاء أو في لجان الفتوى الشرعية ولا في ساحات القضاء وكان الخلع السائد في ذلك الوقت هو الخلع بالتراضي أي الخلع الذي يتوقف إمضاؤه على رضا الزوج فإن شاء أمضاه وإن شاء أبقى زوجته في عصمته والخلع بهذا التفسير لا شك يحرم المرأة من حقها الشرعي في تحرير نفسها من قبضة الزوج المتعسف وقد ظل الأمر مرهونا برضاء الزوج إلى أن صدر القانون رقم (1) لسنة 2000م الذي أعاد للزوجة حقها في الاختلاع من زوجها وطلاقها منه طلقة بائنة رضي الزوج أو لم يرض.