يقول تعالى فى سورة النجم الايه 42 و43 و44 وبعد بسم الله الرحمن الرحيم :
( وأن إلى ربك المنتهى .. وأنه هو اضحك وابكى.. وأنه هو أمات واحيا ) .
سهرة ( ممتعه بكل المقاييس .. لعب الضحك فيها دورا كبيرا .. كنت اشعر بسعاده غامره … وكنت قد امتلكت جناحين صعدت بهما اول السهره الى سماء الفن الاوروبى .. وايضا الادب الراقى لكبار الادباء فى اوروبا وامريكا الذين رحلوا عن حياتنا ولاتزال اعمالهم فى عقولنا وقلوبنا حتى الاحياء منهم .. وكانت بداية السهره عند العاشره مساءا .. حيث جاءت عينى على مكتبتى الخاصه .. وتحديدا على اهم مؤلفات الكاتبه الايرلنديه ( الساخره ) – ماريان كييس – وكتابها الرائع (Grown Up) او ( البالغون ) … فصل واحد فقط من الكتاب اضحكنى .. بالفعل ضحكت من قلبى دقائق طويله .. وكنت اشعر بسعاده بالغه لاسلوبها الساخر الممتع رغم اننى عشت احداث هذا الكتاب اكثر من خمس مرات قبل سهرة الامس ..
ثم انتقلت الى الموسيقى .. وكنت اشعر برغبه شديده او حنين الى سماع موسيقى العملاق الفرنسى الراحل ( Francis Lai ) – فرانسيس لاى – ومن منا لم يتذكر روعته الخالده الموسيقى التصويريه لفيلم ( قصة حب ) ذلك الفيلم الذى حقق اعلى ايرادات فى العالم فترة السبعينيات .. وحصل الموسيقار ( فرانسيس لاى ) على جائزة الاوسكار احسن موسيقى تصويريه .. والفيلم كتبه الروائى العملاق الراحل ( اريك سيجال ) .. وهو ضمن سلسلة افضل الادباء عندى انا شخصيا .. موسيقى (فرانسيس لاى) اخذتنى الى مكتبة الافلام وكنت ارغب فى مشاهدة احد اهم الافلام الفرنسيه التى وضع لها (فرانسيس لاى ) الموسيقى .. فكانت الصدفه الممتعه ان يكون فيلم لسيدة الشاشه الفرنسيه Anouk Aimee – انوك ايمى – وكان الفيلم العظيم Un homme et une femme هذا الفيلم ترك الاثر الفعال فى قلبى وعقلى عندما شاهدته لاول مره .. وربما اجادتى للغه الفرنسيه كانت سببا مهما لفهم تفاصيل بعض العبارات ذات التأثير المباشر على عاطفة المشاهد .. والفرنسى ( تحديدا ) .. وايضا موسيقى المبدع العظيم العملاق ( فرانسيس لاى ) التى اعطت مذاقا خاصا لاحداث الفيلم .. وعلى الرغم من اننى شاهدت هذا الفيلم وانا فى الصف الثانى الثانوى .. الا اننى مازلت اتذكره .. وكلما شاهدته تسقط من عينى الدموع على كثير من المشاهد المؤثره ..
ماتت السيده ( انوك ايمى ) ثم جاءت خليفتها لتحتل نفس مكانتها وهى النجمه الرائعه ( جوليت بينوش ) Juliette Binoche ..
قررت ان اكتفى بهذا الجزء الممتع لسهرة كنت انتظرها من فترة طويله نظرا لقلة الفراغ وضيق الوقت .. سهرة فيها الضحك والبكاء و(( الفهم )) والعوده للذكريات …
واتجهت الى ( فراشى ) وكعادتى لااستطيع النوم الا بعد متابعتى لجزء من اخبار العالم … وحركت مؤشر القنوات الفضائيه ووقع اختيارى على قناة ( سى ان ان ) CNN الامريكيه …. وبعد خمس دقائق تقريبا صدمنى خبر ( مزعج جدا ) احزننى .. وليست مبالغه ان قلت ان الخبر ابكانى … .. الخبر عن رحيل رئيس ارجواى الاسبق خوزى / م ( خوسيه موخيكا ) لااخفيك سرا ياعزيزى القارئ ان هذا الرجل العظيم ورغم انه ( يسارى ) وانا لااميل ( نهائيا ) للفكر اليسارى .. الا ان هذا الرجل من احب الشخصيات السياسيه فى العالم على قلبى .. وكنت اتابع اخباره بشكل دائم حتى فى فترة مابعد اعلانه عن اصابته بمرض السرطان … حقيقة هذا الرجل من اعظم زعماء الكون فى ( نظرى ) وعلى الرغم من ان هناك 65 رئيس حكموا اورجواى .. الا ان موخيكا هو اعظمهم .. فمنذ ان تولى الرئيس الاول لاورجواى ( نيكولاس رودريجيز بينيا ) وحتى اخر رئيس وهو ( ياماندو أورسي ) الرئيس الحالى .. الا ان الراحل خوسيه كان فريدا من نوعه … وبالمناسبه كل رؤساء ارجواى الـــ 65 كان منهم فقط 43 رئيس دستورى واخرهم الرئيس الحالى الذى كان شديد القرب والتعلق بالراحل العظيم ( خوسيه موخيكا ) منذ توليه الحكم فى اول مارس 2010 وحتى مارس 2015 ثم اعتزاله العمل السياسى والعيش فى مزرعه ( بسيطه ) وبالمناسبة هو افقر رئيس فى العالم .. ويلقب بملك التواضع وزعيم الفقراء .. وقد تخلى عن المعيشه فى قصر الرئاسه واختار بيتا ريفيا يعيش فيه ومع ثلاثة حراس فقط منهم حارس مريض كان يرعاه الرئيس بنفسه .. ورفض سيارات الرئاسه واكتفى بسياره (فولكس بيتل) موديل 1987 .. ربما كان هذا الاسلوب ( المتقشف ) فى العيش والزهد يشبه الى حدا ..ما اسلوب رئيس ارجواى الاسبق ( فينانسيو فلوريس ) الذى لم يحكم اكثر من عام ثم استقال وذلك من مارس 1854 حتى سبتمبر 1855 وايضا لم يكن بروعة وعظمة ( خوسيه موخيكا ) ذلك الرجل الذى تبرع بحوالي 90% من راتبه الشهري البالغ 12,000 دولار أميركي للجمعيات الخيرية والشركات الناشئة .. واكتفى فقط بمبلغ 1250 دولارا فقط لمعيشته او لتغطية نفقاته الشخصية … موخيكا رفض العديد من الامتيازات المرتبطة بالمنصب .. و الحراسة المشددةفأصبح رمزا للتواضع والنزاهة في عالم السياسة…
اقتحم سرطان المريء جسد الرجل ودمره تدميرا ولكنه ظل صامتا قويا تحدى المرض ولكن الزمن كان اقوى … ورحل اعظم رئيس فى الكون على الاقل من ( وجهة نظرى ) ..
سمعت الخبر وانا فى حالة ذهول وحزن .. وبكيت .. بكيت لفترة طويله .. فانا الذى كنت متابعا جيدا للرجل ومسيرته ورحلة حياته وشخصيته المتواضعه وحكمته وبشاشه وجهه وابتسامته المليئه بالطيبه واعماله الخيريه العظيمه .. وكم انا عاشق لكل متواضع لايتباهى ولاتغره المناصب او السلطه … كم انا عاشق للذى ينكر ذاته ولايتفاخر بالمال او الجاه او السلطان .. اضف الى ذلك اننى شديد التأثر بكثير من رموز السياسه فى العالم .. واصاب بالحزن عندما اسمع خبر وفاة اى منهم … والاحياء والاموات فى عالم السياسه الذين تعلمنا من سيرهم .. لاحصر لهم امثال جورج واشنطن ..و ابرهام لنكولن .. و فرانكلين روزفلت .. وهنرى كيسنجر .. و خافيير بيريز دي كوييار .. و جيمس بيكر .. وهلموت كول .. وبطرس غالى .. وعصمت عبد المجيد .. ..و ..و ..و الخ فهم كثيرون جدا ( لاحصر لهم ) .. واخرهم الراحل ( خوسيه موخيكا ) بطل هذا المقال ..
ومضت الدقائق الحزينه التى انتصرت على ضحك السهره .. ثم فجأة حطم شروق الشمس عيناى .. وعندما نظرت من شرفة منزلى نظره سريعه على السماء .. الصقت السماء عيناى وتذكرت قول الله تعالى فى سورة النجم :
( وأن إلى ربك المنتهى وأنه هو اضحك وابكى وأنه هو أمات واحيا )