حسين السمنودي
في الوقت الذي تتسارع فيه الأحداث في الشرق الأوسط، تبرز الأردن فجأة في دائرة الاستهداف، ليس بفعل أزمة داخلية متفاقمة أو اضطراب سياسي تقليدي، بل من خلال هجوم إعلامي وسياسي منظم وممنهج ضد رأس الدولة، الملك عبدالله الثاني بن الحسين. هذا الهجوم الذي يكتسب زخماً متزايداً في وسائل إعلام دولية ومنصات إقليمية، يتقاطع بصورة واضحة مع إرهاصات مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، المشروع الأمريكي-الصهيوني القديم-الجديد، الذي لم يمت، بل تغيّر في أدواته وتكتيكاته، وتحول من الحروب المفتوحة إلى التفكيك الناعم من الداخل.
لطالما كانت الأردن دولة لها خصوصيتها في خريطة الشرق الأوسط. فهي جدار الاستقرار المتقدم في وجه كل الفوضى التي تضرب من حولها: من العراق الذي يعاني من جراحات غائرة منذ الغزو الأمريكي، إلى سوريا التي تحولت إلى ساحة صراع دولي، إلى فلسطين التي تعيش تحت الاحتلال والدماء، إلى مصر التي تكافح من أجل الاستقرار الاقتصادي. وسط هذا البحر المضطرب، ظل الأردن عصياً على السقوط، رغم شح الموارد وضغط الملفات، والسبب الأول في ذلك هو تماسك النظام السياسي وارتكازه على شرعية تاريخية راسخة ومكانة إقليمية حساسة.
الملك عبدالله الثاني يمثل حجر الأساس في هذا الاستقرار، ويمثل كذلك عقبة في وجه الترتيبات الأمريكية-الإسرائيلية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية وفرض حلول مذلة باسم “السلام الإقليمي”. ولأن الأردن، تاريخيًا، هو الصوت العربي الأقرب لفلسطين والأكثر تشابكًا معها على المستويين الجغرافي والديموغرافي، فإن إسكاته أو إضعافه يعد أولوية ضمن هذا المشروع الخطير.
تتعدد أدوات الهجوم: تسريبات مدروسة، حملات تضليل، تقارير دولية مشكوك في نواياها، تحركات على مواقع التواصل، تضخيم للأزمات الاقتصادية، وإثارة للفتن الاجتماعية. كل هذا يحدث في وقت حساس، حيث تُعاد فيه صياغة المنطقة سياسياً من جديد. كما تروج بعض الجهات لفكرة “البديل الهاشمي”، و”نقل الوصاية من الأردن”، وهي أفكار تتقاطع بشكل مباشر مع مصالح الكيان الصهيوني الذي يسعى لتحييد كل من يعارض خططه التوسعية في القدس والضفة الغربية.
ولعل المتابع الجيد يرى تشابهاً واضحًا بين هذه الهجمة والهجمات التي سبقت إسقاط أنظمة عديدة في الوطن العربي خلال العقدين الماضيين. ففي العراق بدأ الأمر بـ”حقوق الإنسان”، وفي ليبيا بـ”الديمقراطية”، وفي سوريا بـ”الحرية”، وفي السودان بـ”الانتقال السياسي”، واليوم في الأردن بـ”الإصلاح والشفافية ومحاربة الفساد”. كلها شعارات براقة لكنها تحمل خلفها مدافع دبابات وخرائط تفكيك جاهزة.
ولا يمكن فصل هذا الهجوم عن الديناميكيات الجديدة في المنطقة. فالمشروع الأمريكي يمر بمرحلة إحباط بعد تعثر التطبيع الكامل، وعودة الصراع في غزة إلى صدارة المشهد، وتصاعد محور المقاومة، ومحاولات الصين وروسيا توسيع نفوذهما. لذلك تسعى واشنطن لإعادة ترتيب أوراقها عبر تفكيك الدول المحورية وإعادة توزيع الأدوار الإقليمية، ولا سبيل إلى ذلك دون زعزعة الداخل الأردني.
أما على الصعيد الداخلي الأردني، فإن التحديات الاقتصادية والمعيشية التي يعاني منها المواطن الأردني أصبحت الذريعة التي يحاول البعض النفاذ منها لضرب النظام السياسي. ورغم أحقية الشعب في المطالبة بتحسين أوضاعه، فإن هناك فرقاً كبيراً بين الحراك الإصلاحي الوطني، والحراك المُوَجَّه الذي يتغذى من أجندات خارجية. فالشعب الأردني يدرك، بفطرته ووعيه، أن التفريط في استقرار بلده سيكون الثمن فيه فادحاً، وأن محاولات تقليد سيناريوهات الربيع العربي لن تجلب سوى الخراب.
إن ما يجري الآن في الأردن ليس مجرد هجوم إعلامي أو صراع داخلي عابر، بل هو جزء من منظومة كاملة تستهدف الوطن العربي من جديد تحت راية محدثة لمشروع “الشرق الأوسط الجديد”. وهذا المشروع لم يتراجع، بل ارتدى لباسًا جديدًا أكثر نفاقًا وخداعًا. أدواته لم تعد القصف المباشر والجيوش الجرارة، بل تكنولوجيا الاتصالات، والإعلام المفخخ، والفتن المصطنعة، والانهيار الاقتصادي المُوجَّه.
إن الهجوم على ملك الأردن هو محاولة لكسر الحلقة الأخيرة من حلقات التوازن في قلب المنطقة. فبمجرد سقوط الأردن ـ لا قدّر الله ـ ستنفتح البوابة الشرقية لفلسطين على مصراعيها أمام الاحتلال، وستفقد القضية الفلسطينية أحد أبرز حماة وجودها. وسينهار معها مفهوم الدولة الوطنية في مشرق العرب، ويُفتح الطريق أمام التقسيم الطائفي والإثني والعرقي الذي تسعى له قوى الخارج منذ سنوات.
على الشعوب العربية أن تدرك أن استهداف أي دولة عربية ـ وخاصة إذا كانت مستقرة مثل الأردن ـ هو استهداف للجميع، وأن الدفاع عن الأردن اليوم هو دفاع عن دمشق والقاهرة وبغداد والرياض وغزة. وعلى النخب العربية والمفكرين والقيادات السياسية أن تتجاوز الحسابات الضيقة، وتقف مع الأردن قيادة وشعبًا، قبل أن يتكرر سيناريو العراق وسوريا وليبيا على أرض الحسين.
فلنحذر جميعًا، فالفوضى لا تستأذن، والمشروع الأمريكي لن يتوقف ما لم نوقفه نحن. وإن كنا قد تألمنا مما حدث في الماضي، فالأخطر لم يأتِ بعد، ما لم تتوحد الإرادات وتُسدّ كل الثغرات أمام العدو الذي يبتسم وهو يُشعل نيرانًا لا تبقي ولا تذر.