عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة جديدة تعكس اهتمام الدولة المصرية بالصحة العامة وتطوير قدرات الكوادر الطبية، نظمت وزارة الصحة والسكان دورة تدريبية متخصصة في مكافحة الدرن وفيروس كورونا والتهابات الجهاز التنفسي. الدورة جاءت برعاية الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، بالتعاون مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي “جايكا” والوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، بمشاركة نخبة من أطباء الأمراض الصدرية وبرنامج مكافحة الدرن.

شهد افتتاح الدورة حضور شخصيات بارزة، من بينها السيد يماموتو أتسيوشي، ممثل “جايكا” في مصر، والسفير محمد محمود، نائب أمين الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية. وجاءت الفعالية ضمن سلسلة برامج تدريبية انطلقت منذ عام 2008، استفاد منها مئات المتخصصين من مصر ودول أفريقيا والشرق الأوسط. ويؤكد هذا التعاون أن مصر تسعى إلى لعب دور إقليمي بارز، ليس فقط في تقديم العلاج، بل في نقل الخبرات والمعرفة وتدريب الكفاءات لمواجهة تحديات صحية عابرة للحدود.
الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، أوضح أن الوزارة نجحت في تنظيم 15 برنامجًا تدريبيًا حتى الآن، شارك فيها أكثر من 250 متدربًا. الهدف ليس فقط زيادة أعداد الكوادر المؤهلة، بل رفع جودة الأداء الطبي وتعزيز قدراتهم على مواجهة الأوبئة. وتولي الدولة اهتمامًا خاصًا بالعنصر البشري باعتباره أساس أي منظومة صحية ناجحة، إذ إن امتلاك كوادر مدربة يعد خط الدفاع الأول أمام الأزمات الصحية التي قد تواجه المجتمع.
رغم التقدم الطبي، لا يزال الدرن يمثل خطرًا حقيقيًا، إذ تشير الإحصاءات إلى أن ثلث سكان العالم يحملون بكتيريا المرض، مع احتمالية تفعيله لدى 5% من الفئات الأكثر عرضة. الدكتورة علياء الغمراوي، مدير عام إدارة المستشفيات، أكدت أن البرنامج الوطني لمكافحة الدرن في مصر يعمل بخطة متكاملة تتماشى مع استراتيجية منظمة الصحة العالمية للقضاء على المرض بحلول 2030. وتولي الخطة أهمية خاصة للفئات الأكثر عرضة للعدوى، ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة.
الكشف المبكر والعلاج الفعال يمثلان محور الاستراتيجية المصرية لمواجهة الدرن. وفي هذا السياق، تعتمد الوزارة على أحدث وسائل التشخيص مثل الفحوص الجزيئية عالية الحساسية، التي تسهم في اكتشاف الحالات بدقة وسرعة. كما يجري التعاون مع المستشفيات الجامعية والحكومية والقطاع الخاص لتوسيع نطاق خدمات الفحص والعلاج. هذا التكامل يعكس توجه الدولة لبناء نظام صحي مرن قادر على مواجهة التحديات الحديثة بأدوات علمية متطورة.
واحدة من أبرز ملامح الدورة كانت مشاركة 19 متدربًا من دول أفريقية عدة، من بينها نيجيريا وكينيا وزيمبابوي وموزمبيق. هذا الحضور يعكس الدور المصري كحاضنة إقليمية للخبرات الصحية، ويؤكد أن القاهرة لم تعد فقط مركزًا للعلاج، بل باتت وجهة للتدريب وتبادل الخبرات. مثل هذه المبادرات تدعم العلاقات الأفريقية – الأفريقية، وتعزز فكرة أن مواجهة الأمراض مسؤولية جماعية تتطلب تعاونًا يتجاوز الحدود الوطنية.
الدكتور وجدي أمين، مدير إدارة الأمراض الصدرية، شدد على أن الدورة تستهدف إعداد قيادات صحية قادرة على قيادة برامج مكافحة الدرن في بلدانها، والتعامل مع الأوبئة الناشئة مثل كورونا. وتوفر الدورة فرصة للمشاركين لفهم أعمق لآليات الاستجابة، وتطوير استراتيجيات وطنية فعالة. كما تعكس أن مصر ترى الصحة بوصفها ركيزة للأمن القومي والتنمية المستدامة، وليس مجرد خدمة أساسية.
الدورة التدريبية التي نظمتها وزارة الصحة ليست مجرد حدث تدريبي، بل رسالة واضحة بأن مصر تتحرك بخطى ثابتة لمواجهة التحديات الصحية محليًا ودوليًا. فالتعاون الدولي، والاستثمار في الكوادر، واستخدام أحدث تقنيات التشخيص، كلها أدوات تجعل من التجربة المصرية نموذجًا ملهمًا في التصدي للأوبئة. وبينما تواصل الدولة جهودها لتعزيز الأمن الصحي، تبقى مثل هذه المبادرات دليلًا على أن مواجهة المرض تبدأ بالعلم والتدريب، وتنتهي بتحقيق مجتمع أكثر صحة وأمانًا.