عبدالرحيم عبدالباري
في عالم يتزايد فيه الصراع والنزوح، تتصدر قضية اللاجئين والمهاجرين جدول الأعمال العالمي، لا سيما في ما يتعلق بالحق في الصحة. وفي هذا السياق، أكدت وزارة الصحة والسكان أن الدولة المصرية ماضية في التزامها الثابت بضمان وصول اللاجئين والمهاجرين إلى خدمات صحية شاملة، رغم التحديات الإنسانية والاجتماعية التي يواجهونها. هذا الموقف لم يكن مجرد تصريح بروتوكولي، بل جاء في كلمة رسمية حملت رسائل قوية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ليكشف عن رؤية مصرية تتجاوز الحدود وتضع الإنسان أولاً.
خلال الفعالية الجانبية التي حملت عنوان «عدم ترك أحد خلف الركب: تعزيز العدالة في مواجهة الأمراض غير السارية والصحة النفسية للاجئين والمهاجرين»، أوضح الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة والسكان لشؤون المشروعات ومبادرات الصحة العامة، أن مصر تنطلق من قناعة راسخة بأن الصحة حق إنساني عالمي. وألقى حساني كلمته نيابة عن الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، ليجدد التأكيد على أن مصر لم ولن تغفل عن الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع الدولي، وعلى رأسهم اللاجئون الذين يواجهون ظروفًا معيشية قاسية.
البيان المصري حمل في طياته رؤية تحليلية لتحديات الأمراض غير السارية، مثل أمراض القلب، السكري، السرطان، والأمراض التنفسية المزمنة، التي تمثل اليوم أكبر قاتل صامت على مستوى العالم. فقد شدد الدكتور حساني على أن هذه الأمراض تتسبب في أكثر من 70% من الوفيات عالميًا، وهو ما يضاعف العبء على اللاجئين والمهاجرين الذين يفتقدون في كثير من الأحيان إلى الرعاية الوقائية والمتابعة الطبية المنتظمة. التداخل بين الأوضاع الاجتماعية الصعبة والمخاطر الصحية جعل من هذه القضية ملفًا إنسانيًا وصحيًا في آن واحد.
ولم يغفل الخطاب المصري الإشارة إلى الأبعاد النفسية التي يعيشها اللاجئون والمهاجرون، حيث تتضاعف معاناتهم مع اضطرابات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. هذه الاضطرابات لا تأتي من فراغ، بل نتيجة مباشرة للصدمات الإنسانية، التهجير القسري، فقدان الاستقرار، والشعور الدائم بالتهميش. هنا برزت رؤية مصر التي لم تكتف بالحديث عن الأمراض العضوية، بل وسّعت نطاق الاهتمام ليشمل الصحة النفسية كجزء أصيل من المنظومة الصحية.
في كلمته، أكد الدكتور حساني أن مصر، وبتوجيهات القيادة السياسية، تبنت سياسة «خارج المخيمات»، حيث يتم إدماج اللاجئين في المجتمع المحلي وتقديم خدمات صحية متكاملة لهم، تشمل الرعاية الأولية، الوقائية، والعلاجية. هذه السياسة، التي تنفرد بها مصر عن كثير من الدول، تعكس فلسفة إنسانية عميقة تعتبر اللاجئين «ضيوفًا أعزاء» وليسوا عبئًا إضافيًا. ومن هنا جاءت مساهمة الدولة المصرية في علاج الملايين من اللاجئين خلال السنوات الماضية، لتؤكد أن التضامن ليس شعارًا، بل ممارسة يومية على أرض الواقع.
التحديات، كما وصفها الخطاب المصري، لا تتوقف عند حدود المستشفيات والعيادات، بل تمتد إلى الجوانب الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية. ضعف خدمات المتابعة، نقص التنسيق عبر الحدود، وتأخر التشخيص، كلها عناصر تزيد من حدة الأزمات الصحية لدى اللاجئين والمهاجرين. هذا التحليل يكشف أن القضية أكبر من كونها طبية، بل هي شبكة متشابكة من القضايا التي تحتاج إلى تدخلات متكاملة، تنطلق من التعاون الدولي وتستند إلى قيم العدالة الإنسانية.
ولعل الرسالة الأبرز في كلمة مصر جاءت في الدعوة الصريحة التي وجهها الدكتور حساني إلى المجتمع الدولي، بضرورة تحويل التعهدات السياسية التي تُعتمد في قاعات الأمم المتحدة إلى إجراءات عملية ملموسة على أرض الواقع. فلا يكفي أن تصاغ البيانات، بل المطلوب أن تتحول إلى سياسات صحية قادرة على إنقاذ الأرواح وتعزيز صمود اللاجئين والمهاجرين. هنا تضع مصر نفسها، ليس فقط كدولة مضيفة، بل كشريك عالمي في صياغة سياسات صحية عادلة ومنصفة تعكس قيم التضامن الإنساني.
من نيويورك إلى القاهرة، ومن المؤتمرات الأممية إلى شوارع المدن المصرية، يتجلى الموقف المصري في صورة التزام حقيقي بحقوق اللاجئين والمهاجرين في الصحة والحياة الكريمة. وبينما يواجه العالم أزمات متشابكة، ترفع مصر شعار “صحة بلا حدود”، لتعلن أن الإنسان هو القيمة العليا التي يجب أن تتضافر كل الجهود من أجلها. وبذلك، تثبت مصر أنها ليست فقط دولة مضيفة، بل نموذجًا إنسانيًا وصحيًا يحتذى به عالميًا.٩