فى بداية المقال اتقدم بأصدق التهاني القلبية إلى قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وجميع الأخوة المسيحيين من أبناء الوطن، بمناسبة الاحتفال بعيد الميلاد.
لم يكن ظهورُ السيد المسيح حدثًا عابرًا في سجلِّ التاريخ، بل كان نقطة تحوُّل كبرى غيَّرت مسار الإنسان والفكر والحضارة. جاء المسيح في زمنٍ امتلأ بالظلم والقسوة، حيث سادت القوانين الصارمة، وغابت الرحمة عن كثير من القلوب، فجاءت رسالته ثورةً أخلاقية وروحية أعادت تعريف الإنسان وعلاقته بالله وبالآخرين.
لقد قدَّم السيد المسيح مفهومًا جديدًا للقوة، لا يقوم على السيف أو القهر، بل على المحبة والتضحية. علَّم أن من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع، وأن الغفران ليس ضعفًا بل سموٌّ أخلاقي يحرِّر الإنسان من الكراهية. بهذه التعاليم البسيطة في كلماتها، العميقة في معانيها، أحدث تغييرًا في ضمير البشرية.
غيَّر المسيح نظرة الإنسان إلى الله، فبدل الخوف وحده، دعا إلى علاقة تقوم على الحب والثقة، وبدل العبادة الشكلية، ركَّز على نقاء القلب والنية. كما أعاد الاعتبار للضعفاء والمهمَّشين، فكان قريبًا من الفقراء والمرضى والخطاة، مؤكِّدًا أن الكرامة الإنسانية حقٌّ للجميع.
ولم يقتصر تأثيره على الجانب الديني فحسب، بل امتدَّ إلى الفلسفة والفن والقانون والأدب. فتعاليمه كانت الأساس لكثير من القيم الإنسانية المعاصرة، مثل حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، واحترام الآخر. حتى الذين لم يؤمنوا به دينيًا، لا يمكنهم إنكار الأثر العميق الذي تركه في الحضارة الإنسانية.
إن المسيح الذي غيَّر الكون لم يفعل ذلك بمعجزةٍ كونية تُرى بالعين، بل بمعجزةٍ أعمق: تغيير القلوب والعقول. ولا يزال صوته حاضرًا عبر القرون، يدعو الإنسان إلى المحبة والسلام، ويذكِّره بأن خلاص العالم يبدأ من إصلاح النفس، وأن أعظم تغيير يمكن أن يحدث في الكون، هو أن يتغيَّر الإنسان من الداخل