عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة تعكس حجم التحول الذي تشهده منظومة الرعاية الصحية في مصر، جاء إعلان الجمعية الدولية لجودة الرعاية الصحية عن اختيار الدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، عضواً في المجلس الدولي للتقييم الخارجي، ليؤكد أن التجربة المصرية لم تعد مجرد نموذج محلي يسعى للتطوير، بل أصبحت تجربة تحظى باعتراف وتقدير عالميين. هذا الاختيار لا يمثل تكريماً لشخص بعينه، بقدر ما يجسد تقديراً دولياً لمسار إصلاحي شامل تقوده الدولة المصرية لترسيخ معايير الجودة وسلامة المرضى، ويضع مصر في موقع متقدم داخل دوائر صنع القرار المرتبطة بمستقبل الرعاية الصحية في العالم.

يمثل المجلس الدولي للتقييم الخارجي أحد أهم الأطر الاستشارية العالمية المعنية بتقييم نظم الجودة واعتماد مؤسسات الرعاية الصحية، حيث يضم نخبة من الخبراء وقادة هيئات الاعتماد من مختلف دول العالم. وتكمن أهمية هذا المجلس في كونه منصة دولية لتبادل الخبرات ووضع الرؤى الاستراتيجية التي توجه مسار تطوير منظومات الجودة الصحية عالميًا. ووجود ممثل لمصر داخل هذا الكيان الدولي يعكس مدى الثقة التي باتت تحظى بها التجربة المصرية في هذا المجال، خاصة في ظل التطور الملحوظ الذي شهدته آليات اعتماد المنشآت الصحية، وتطبيق المعايير العلمية الدقيقة التي تضمن تقديم خدمات صحية آمنة وفعالة للمواطنين.
اختيار الدكتور أحمد طه لعضوية هذا المجلس الدولي لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة مسيرة عمل طويلة قادتها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية في تطوير منظومة وطنية متكاملة للاعتماد الصحي. فقد استطاعت الهيئة خلال السنوات الماضية وضع معايير اعتماد مصرية تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية، بما يضمن تحقيق أعلى مستويات الجودة وسلامة المرضى داخل المؤسسات الصحية. كما أسهمت هذه المعايير في إعادة صياغة مفهوم الخدمة الصحية داخل العديد من المستشفيات والمنشآت الطبية، لتصبح الجودة جزءاً أصيلاً من ثقافة العمل الطبي، وليس مجرد إجراء إداري أو رقابي.

ويحمل هذا الاختيار بعداً استراتيجياً مهماً لمصر، إذ يفتح الباب أمام تعزيز حضورها داخل المنصات الدولية المعنية بصياغة سياسات الجودة الصحية. فالمشاركة في مثل هذه المجالس تتيح فرصاً واسعة للاطلاع على أحدث الممارسات العالمية في مجال اعتماد المؤسسات الصحية، كما توفر مساحة حقيقية لتبادل الخبرات مع هيئات دولية رائدة من الولايات المتحدة وكندا وأستراليا واليابان وغيرها من الدول المتقدمة في هذا المجال. ومن شأن هذا التفاعل الدولي أن يسهم في نقل المعرفة وتطوير السياسات الصحية داخل مصر بما يواكب أحدث المعايير العالمية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور أحمد طه أن مشاركة مصر في أعمال المجلس الدولي للتقييم الخارجي تمثل فرصة مهمة لتعزيز التعاون الدولي في مجالات الجودة وسلامة المرضى واعتماد المنشآت الصحية. وأوضح أن التجربة المصرية في مجال اعتماد المؤسسات الصحية أصبحت تحظى باهتمام ملحوظ من المؤسسات الدولية المتخصصة، خاصة في ظل ما حققته من تقدم في دعم تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل. كما شدد على أن تبادل الخبرات مع كبرى هيئات الاعتماد العالمية يمثل ركيزة أساسية لتطوير الأداء المؤسسي وضمان تقديم خدمات صحية تتوافق مع أعلى المعايير الدولية.
وخلال زيارته إلى العاصمة الإيرلندية دبلن، حظي الدكتور أحمد طه باستقبال رسمي من السفير محمد ثروت سليم، سفير جمهورية مصر العربية لدى أيرلندا، في لقاء عكس عمق الاهتمام الدبلوماسي المصري بدعم الحضور الدولي للخبرات الوطنية في المجالات الصحية. وقد شهد اللقاء نقاشات موسعة حول سبل تعزيز التعاون الدولي في مجالات الجودة الصحية واعتماد المؤسسات الطبية، حيث أشاد السفير بالدور الحيوي الذي تقوم به الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية في دعم جهود الدولة المصرية لتطوير منظومة الرعاية الصحية وفق أحدث المعايير العالمية.
وتعد الجمعية الدولية لجودة الرعاية الصحية واحدة من أبرز المؤسسات العالمية التي تعمل على تطوير نظم الجودة والاعتماد في القطاع الصحي، إذ تقوم بتقييم واعتماد هيئات الاعتماد الصحية في مختلف دول العالم، وتضع الأطر المرجعية التي تستند إليها نظم الجودة في العديد من الدول. ومن هنا فإن اختيار ممثل لمصر داخل أحد مجالسها الاستشارية المهمة يعكس مدى التقدير الدولي للتجربة المصرية، ويؤكد أن مصر أصبحت لاعباً فاعلاً في صياغة مستقبل الجودة الصحية على المستوى العالمي، وليس مجرد متلقٍ للخبرات أو المعايير الدولية.
إن انضمام الدكتور أحمد طه إلى المجلس الدولي للتقييم الخارجي ليس مجرد منصب دولي جديد، بل هو شهادة عالمية على أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ منظومة صحية حديثة قائمة على الجودة والاعتماد والشفافية. إنه اعتراف بأن ما تحقق داخل المؤسسات الصحية المصرية لم يعد شأناً محلياً فحسب، بل تجربة تستحق أن تكون حاضرة في قلب النقاش العالمي حول مستقبل الرعاية الصحية. ومع استمرار هذا الحضور الدولي المتنامي، تبدو مصر أكثر قدرة على صياغة نموذج صحي متطور يضع الإنسان في صدارة الأولويات، ويؤكد أن جودة العلاج وسلامة المرضى ليستا رفاهية، بل حق أصيل لكل مواطن.