في الأوقات التي تتشابك فيها المصالح الاقتصادية وتتداخل لغة الأرقام مع السياسة، يخرج علينا بين الحين والآخر من يزن الأمور بميزان الربح والخسارة والشراكات المالية، متناسيًا أن الأوطان لا تُقاس بحجم الاستثمارات، وأن تاريخ الأمم لا يُكتب في دفاتر الشركات.
مؤخرًا، أثارت تصريحات رجل الأعمال المهندس نجيب ساويرس، والتي وصف فيها دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة بأنها “الأب الروحي لمصر”، موجة من الجدل والاستنكار. والحقيقة التي لا غبار عليها هي أن ساويرس قد جانبه الصواب تمامًا في هذا التعبير.. فمصر، بثقلها التاريخي والجغرافي والحضاري، لا يمكن أن يكون لها “أب روحي” كائنًا من كان.
** الفارق بين التعاون المثمر والتبعية
إن ما يغيب عن أصحاب الرؤى المالية والمصالح الشخصية البحتة هو التفريق بين “التعاون الاستراتيجي المشترك” وبين “التبعية الروحية أو السياسية”.
** التعاون الاقتصادي: هو لغة العصر الحديت، ومصر تفتح أبوابها دائمًا للأشقاء والأصدقاء بناءً على قاعدة المصالح المتبادلة والاحترام المشترك، والتعاون هنا ليس هبة أو منة من أحد، بل هو استثمار في بلد يمتلك كل مقومات القوة الاستراتيجية.
** السيادة والريادة: لا يمكن اختزال علاقة مصر بأشقائها العرب في إطار التبعية. فمصر كانت وستظل الركيزة الأساسية لأمن واستقرار المنطقة بأسرها.
“لا أحد له خير على مصر إلا الله تعالى، وما يحدث بين الدول هو تبادل للمصالح، أما السيادة والانتماء فهما قيمتان لا يملكهما مال ولا تشتريهما الموازنات.”
** التاريخ لا يكذب.. من علم من؟
إذا كان البعض يحتاج إلى إنعاش ذاكرته، فليقرأ التاريخ القديم والحديث ليعرف متى تأسست الدولة المصرية، ومتى ظهرت الدول والكيانات المحيطة بنا.
1. مصر أم الدنيا: من على أرضها سُطرت أولى حضارات البشرية، ومنها تفرعت العلوم والآداب والقوانين التي أضاءت العالم أجمع حين كان الكون يعيش في ظلام الجهل.
2. التكريم الإلهي: مصر هي الأرض الوحيدة التي تجلى عليها رب العزة سبحانه وتعالى (في سيناء)، وهي البلد الآمن بذكر القرآن الكريم، وحبا الله شعبها على مر الزمان بصفات الطيبة، والكرم، والمروءة، والوفاء، والجلد على الصعاب.
3. الدور العروبي الحديث: لم تبخل مصر يومًا بدمائها، أو علمها، أو جيشها، أو علمائها وخبرائها في بناء ونهضة الأشقاء العرب في العصر الحديث، ولم يكن ذلك “منًّا” على أحد، بل واجبًا قوميًا تفرضه ريادتها.
** حدود الحديث مع “أم الدنيا”
إن الانتماء للأوطان عقيدة راسخة في قلوب الشرفاء، ولا يمكن أن تخضع لتقلبات السوق أو أهواء أصحاب المصالح. على كل من يتصدى للحديث في الشأن العام، وخصوصًا من يمتلكون نفوذًا ماليًا، أن يراجعوا قراءة التاريخ الحديث والقديم جيدًا ليعرفوا حدود الحديث مع “أم الدنيا”.
ستبقى مصر عريقة، شامخة، غنية بأبنائها وتاريخها، مستعدة دائمًا للتعاون البناء مع الجميع كأنداد وأشقاء، دون التنازل عن كبريائها أو السماح للغة الأرقام بأن تتطاول على مكانتها التي حباها الله بها. فمصر لا تحتاج أباً روحياً، لأنها ببساطة.. أم الدنيا وجذور التاريخ.
[٨/٦ ٩:١٤ ص] مستر عبدالنبى عبدالستار: راوية المصري تكتب من ستوكهولم : أبناء من ورق
بين ولادة طفلٍ وولادة كتاب، مسافةٌ من الوجع لا يفهمها إلا من عاشها.
فالكاتب لا يكتب الكلمات فقط، بل يسكب شيئًا من روحه في كل صفحة، ويترك جزءًا من قلبه بين السطور. لذلك، عندما يخرج الكتاب إلى العالم، يشعر الكاتب وكأنه يسلّم طفله الأول إلى أيدٍ لا يعرفها، ثم يقف بعيدًا يراقب مصيره بقلقٍ وعجز.
أصعب مرحلة يمر بها الكاتب ليست الكتابة ذاتها، ولا السهر الطويل، ولا حتى محاربة الأفكار الهاربة، بل تلك اللحظة التي يصبح فيها الكتاب ملكًا للقراء. لحظة الانتظار القاسية، انتظار الآراء والانطباعات، والخوف من أن يُساء فهم هذا الطفل الورقي الذي وُلد بعد مخاضٍ طويل من التعب النفسي والوجداني.
كل كتاب أنجبته كان يحمل شيئًا مني، وكان يترك داخلي فراغًا لا يملؤه شيء. كنت أشعر بعد صدور كل رواية وكأن جزءًا من قلبي ابتعد عني، يسافر وحده في طرقات العالم، يلتقي بوجوهٍ لا أعرفها، ويواجه أحكامًا لا أستطيع حمايته منها.
منذ عشر سنوات بدأت الرحلة مع أولى رواياتي: راتب والراوية، ثم الضحية والقنديل، وكانت البداية التي فتحت الباب لهذا العالم المرهق الجميل. ثم جاءت غريبة ستوكهولم عام 2022، تحمل شيئًا من الغربة والبرد والأسئلة الثقيلة التي تسكن الروح. وبعدها وُلدت رواية أنا ابنة زوجي عام 2024، لتلامس مناطق شائكة من العلاقات الإنسانية والألم الخفي.
وفي عام 2025 أصدرت رأيك اللعنة، الرواية التي حملت الكثير من الصراع الداخلي والتمرد، ثم جاءت رواية حين أحببت قاتلي عام 2026، وربما كانت من أكثر الأعمال التي استنزفتني نفسيًا، لأنها لم تكن مجرد حكاية، بل مواجهة مع المشاعر المعقدة التي يصعب الاعتراف بها.
وقد تُرجمت أغلب أعمالي إلى اللغة الإنجليزية، واختير عدد منها ليكون مادةً لدراسات الماجستير في جامعة المثنى في العراق، بفضل الجهود الكبيرة والدعم الثقافي الذي قدّمه الصديق الدكتور واثق الحسناوي، ذلك الإنسان الذي لم يكن مجرد أكاديمي، بل قارئًا حقيقيًا آمن بقيمة الأدب وقدرته على البقاء. وكان حضوره الثقافي النبيل بمثابة الضوء الذي منح أعمالي مساحةً جديدة للحياة والانتشار.
ولم تتوقف الرحلة عند الروايات فقط، بل جمعت أيضًا حصيلة خمسة عشر عامًا من الكتابة الصحفية والتأملات الإنسانية في كتاب بعنوان الضمير خارج الخدمة، يضم مجموعة من مقالاتي التي نُشر أغلبها في الصحف، ليكون شاهدًا على سنوات طويلة من الفكر والتجربة والانفعال بالحياة.
الناس يرون الكتاب بعد طباعته، أنيقًا ومستقرًا فوق رفوف المكتبات، لكنهم لا يرون الليالي التي بكى فيها الكاتب بصمت، ولا القلق الذي يرافقه بعد كل إصدار، ولا ذلك الاكتئاب الخفي الذي يهاجمه عندما يبتعد الكتاب عن قلبه ويصبح تحت رحمة القرّاء.
الكاتب الحقيقي لا ينسى كتبه أبدًا، لأنها ليست أوراقًا وحبرًا، بل أبناء خرجوا من روحه، وكلما ابتعدوا عنه، شعر أنه فقد جزءًا من نفسه. وربما يظن البعض أن الكاتب ينسى كتبه بعد نشرها، لكن الحقيقة أن كل كتاب يظل يعيش داخله، حتى بعد أن يغادر يديه.
ولأجل ألا يتوه أبنائي من ورق بعيدًا عن بعضهم، جمعتهم في متجرٍ واحد، ليبقوا معًا كإخوةٍ من الحبر والذاكرة.