يوم الثامن عشر من هذا الشهر الجاري شهر نوفمبر، يحتفي العالم بأسره باليوم العالمي للفلسفة، وهذا جد مهم، لماذا؟!، لنذكر الناس بأهمية التفلسف وممارسته، وأن الفلسفة ليس كما كان يدعي البعض قديما أنها عديمة النفع وليست لها فائدة تعود على الفرد وعلى المجتمع، وماهى إلا بحث عن المجهول وماهى إلا نشاط ذهني وعقلي يرهق صاحبه وقد لايصل إلى شيئ وقد يودي به إلى التيه والضلال، وأن الفيلسوف ماهو إلا إنسان يبحث عن قطة سوداء في ليلة ظلماء في حجرة مغلقة معتمة.
لكن السؤال الذي أعتقد أنه مهم، أليس كل واحد منا بداخله مفكر، حتي على الأقل يفكر في همومه ومشاكله، أليس هذا التفكير يعبر عن رأي صاحبه في محاولة منه لإيجاد حلول لما يتعرض له من مشكلات حياتية قد تؤرق مضجعه، إذن هو يفكر، إذن هو موجود إذن هو يحاول أن يقدم حلولا، هذه المحاولات الحثيثة طريق للتفلسف فما الفلسفة إلا إثارة التساؤل، والإجابة علي هذا التساؤل هو روح التفلسف.
إذن الفلسفة هي محاولة لإيجاد حلول لما نعانيه من مشكلات.
الإنسان المفكر المتفلسف لايمكن بحال من الأحوال أن ينفصل عن واقعه، بل نجد أن المفكر الحق هو الذي يكون مهموما بقضايا مجتمعه ووطنه الذي يعيش فيه، ومهموما بقضايا واقعه المعيش.
نحن أبناء القرن الحادي والعشرين لسنا أحسن حظا من سابقينا، علي الرغم من أن عصرنا عصر التقدم التقني، وثورة المعلومات، والتحول الرقمي، والفكر الحداثي، وإتاحة الكتب والمكتبات بضغطة زر نحصل علي مانريد، وهذا كان لا يحدث قديما، لكن كل ذلك يزيد من العبء الذي يثقل كواهلنا، فانسان اليوم ليس إنسان الماضي، ولن يكون إنسان المستقبل، إلا أن لكل عصر مشكلاته وقضاياه التى إذا لم تقدم لها الحلول الناجحة المبنية علي تفكير منطقي سليم، سيحدث مالا يحمد عقباه.
أزماتنا كثيرة ومتلاحقة مجرد أن يحدث بارقة أمل لحل إحداها تلاحقنا مشكلات أخرى كثيرة، يا سيداتي وسادتي إنها الحياة التي نعيشها، والفلسفة حياة، ولكم في التفلسف حياة يا أولي الألباب، يا أصحاب العقول النيرة المستنيرة، فهل أعملنا عقولنا ووظفناها التوظيف الصحيح للخروج من هذه الأنفاق المظلمة التي باتت كقطع الليل البهيم.
أزماتنا كثير، منها أزمة القيم الخلقية والانسحاق القيمي ونزعات اللامبالاة والانهيار الأخلاقي.
أليست الوساطة والمحسوبية أزمة حقيقية تعاني منها، أليست هذه أزمة قيم تضرب مبادئنا وأصولنا في الصميم، من يدفع يحصل على البركة، يحصل على المراكز المرموقة دون أدنى وجه استحقاق، اللهم إلا أنه محسوب على فلان، ويترك الأكفاء هملا لا أحد ينظر إليهم.
أليس للفلسفة دور في إعادة ترتيب المنظومة الأخلاقية من خلال دراسة مستفيضة ليس من أجل الدراسة وإنما للانتقال من مرحلة التنظير إلي مرحلة التطبيق.
أيضا لدينا مشكلات معاصرة مثل تجديد الخطاب الديني، ليست هذه مشكلة معاصرة، وإنما معاصرتها في الطرح وكيفية المعالجة، أليس للفلسفة دور في معالجة هذه القضية، ألم تعقد الندوات المعلنة والندوات التي تعقد في الأروقة المغلقة لمحاولة إيجاد حلول ترضي عقولنا، من المنوط به تحمل هذه المسؤولية التي سيسأل عنها أمام ضميره قبل أن يسأله التاريخ عنها.
وأكرر قضايانا كثيرة وملحة ألم تضربنا أزمة جائحة كورونا التي أوقفت العالم علي قدميه ولم تقعده إلي الآن، الكل يتباري ويتسابق لإيجاد حل لها، علي كافة المستويات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية، ما دورنا نحن ونحن أبناء الفلسفة.
وغيرها من الأزمات، أزمات المناخ والتغيرات المناخية وتغير خارطة العالم المناخية أليست هذه مشكلة تسترعي الإنتباه والاهتمام.
ثم ازمتنا الكبري أزمة الأمة بأسرها أزمة العالم، السلام العالمي، أزمة قديمة، ووسيطة ، وحديثة، ومعاصرة، أزمة حياة، تناولها الفلاسفة منذ القدم، تحدث فلاسفة الرواقية عن الإخوة العالمية، تحدث فلاسفة الإسلام ولا سيما الفارابي ومن قبله أفلاطون حكيم اليونان ومن قبلهما كونفوشيوس حكيم الصين عن الأمن والأمان والسلم والاستقرار، تحدث حديثا توماس مور، تحدث ايمانويل كانط في كتابه المشروع الدائم للسلام العالمي.
والآن كل زعماء العالم ومجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة والمؤسسات الدينية الجميع يردد نشيدا واحدا ويدعو دعاء واحدا، التعايش السلمي بين الشعوب، وطرح العنصرية البغيضة والطائفية المرذولة، وطرح خطاب الكراهية وتحريض البعض علي البعض، وعدم الزج بالأديان في هذا المعترك، فجميعنا يعبد ربا واحدا ويدين بدين واحد، هو دين المحبة والسلام.
انبذوا خطابات التحريض وليعيش الجميع في سلام ولنصلي لرب السماء في مصلانا، في مساجدنا، في كنائسنا، في أديرتنا، اطرحوا الكراهية من نفوسكم، من قلوبكم.
إذا لم يكن هذا دورنا نحن المفكرون، نحن البحاثون، فمن سيتصدي ويتصدر لمواجهة هذه الأزمات.
إذا لم يكن دور المفكر والفيلسوف الحقيقي التصدي للفسدة الذين يعيثون فى الأرض فسادا ، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة.
الذين ظنوا أنهم آلهة مخلدون لا رادع من وزاع ديني ولا ضمير يمنعهم من ظلم الناس.
نعم ضرورة ملحة حتى تستقيم حياتنا ، ضرورية ملحة التصدي لهؤلاء.
يا سيداتي وسادتي الإحتفال بالفلسفة لايكون يوما واحدا، وإنما كل يوم، فالفلسفة حياة، لا الفلسفة هي الحياة.