حوار/ أبو الحسن الجمال – كاتب ومؤرخ مصري
يعد الأستاذ محمد الشافعي من رموز الحركة الثقافية المعاصرة، بما حققه من نجاحات في بلاط صاحبة الجلالة التي عمل فيها في أكثر من صحيفة، كما حقق نجاحات أخرى في محيط التاريخ الوطني والعسكري لمصر، وقد ساعده قربه من الأبطال العسكريين الذين اشتركوا في كل المعارك الحربية التي خاضتها مصر، وهو صحفي ناجح عمل بالعديد من الصحف والمجلات وأشهرها مجلة “الهلال” التي تولى رئاسة تحريرها فعمل على النهوض بها وأضاف إليها بصماته وخبرته، ولم يكتف بهذا، بل أمد المكتبة العربية بالعديد من الكتب التي تنوعت بين التاريخ العسكري والتأريخ للرموز الوطنية والأدبية، كما قدم العديد من البرامج الإذاعية والتليفزيونية.
وفي السطور التالية أجرينا معه هذا الحوار، وحدثنا فيه عن ذكرياته مع شهر رمضان طفلاً وشاباً وكهلاً.. في قريته وفي مدينة القاهرة وفي باريس وفي بلاط صاحبة الجلالة وكتب أنجزها في هذا الشهر الفضيل.
*ما هي ذكرياتك شهر رمضان ؟
– رمضان وذكرياته ممتدة منذ الطفولة خاصة وأن طفولتي الأولى كانت في قريتنا “كفر الشرفا القبلي”؛ وهي قرية صغيرة وجميلة، تتبع مركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية، والقرية يمر بها أحد أفرع النيل ويسمى بحر الخليلي، وفي طفولتنا لم تكن الكهرباء قد دخلت القرية وقد دخلت إليها عام 1979، وطبعا أنت تعرف أنني مواليد 1960، وكان غياب الكهرباء يضفي نوعاً من الغموض على رمضان، وكنا ننتظر آذان المغرب على البحر، وعندما يخرج صوت الشيخ رفعت بالآذان تجد الفرحة العارمة في أصوات الأطفال، وكل يجري إلى بيته لتناول الإفطار.
*متى صمت رمضان أول مرة؟
– قد من الله علي بأنني صمت في سن السابعة ولم أنقطع عن الصيام منذ وقتنا هذا وإحساس الطفل بفرحة الصيام وبطقوس رمضان هي الفرحة الكبرى التي لا يدانيها فرحة.
ثم يواصل الأستاذ الشافعي سرد ذكرياته عن الشهر الكريم: “وبيتنا هو البيت الوحيد في الشارع الذي يمتلك جهاز راديو كان يعمل بالحجارة البطارية، وكان الراديو من نوع (كاترون) ويصنع في شركة بنها للصناعات الحربية وهي مازالت موجودة، وكان الراديو هو وسيلة تواصلنا مع العالم، وكنا نستمع إلى برامجه الجميلة ومسلسلاته الرائعة وخصوصاً مسلسل “ألف ليلة وليلة” وصوت الفنانة الراحلة زوزو نبيل، وبرنامج “قال الفيلسوف” للفنانة سميرة عبد العزيز وسعد الغزاوي، وبرنامج “على الناصية” وكان من أحلامي أن أظهر فيه وقد تحققت أمنيتي عندما استضافتني الإذاعية القديرة آمال فهمي عندما رأتني في أحد البرامج التليفزيونية الشهيرة فطلبتني للتسجيل معها…وكانت فرحة عمري وأسعدتني أنها أثنت على الحلقة.
أضف إلى ذلك أنني لما انتقلت من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الإعدادية وكانت المدرسة في مدينة شبين القناطر وهي تبعد عن بلدتنا مسافة سبعة كم، وكنا نقطعها سيراً على الأقدام وفي المرحلة الثانوية اشترت لي والدتي دراجة أنا وأخي الصغير، وكان المشي أرحم منها؛ لأن كنا نتعرض للفح البرد، وكانت عندما تمطر تتحول الطرق إلى كتل من الطين يصعب السير فيها ورغم هذه المشقة إلا كانت متعة في الشهر الكريم .. كما أن علاقة الناس بعضها البعض كانت تتسم بالمودة والمحبة والعطف الناس تتزاور وتلتقي وكانت المساجد تزدحم بالمصلين.
*كيف يكون الإبداع فى رمضان عنه فى الشهور الأخرى؟
– في المرحلة الثانوية كنت بدأت أكتب ما أطلق عليه شعر وعندي كراسات كثيرة مليئة بالشعر، وكنا نستذكر الدروس بين الحقول والأشجار الوارفة ونسيم العصاري يهب فيمنحنا السعادة كلها، وكانت هذه الأجواء ملهماً لي في كتابة الخواطر، ثم التحقت بكلية الزراعة بمشتهر وكانت تتبع جامعة الزقازيق والآن تتبع جامعة بنها، وفي الفرقة الأولى منحت جائزة الشعر الأولى.
وبعد التخرج والعمل في الصحافة وكانت الفرحة عندما كانت تكثر السهرات الرمضانية والندوات واللقاءات وكانت وزارة الثقافة تكثر من الفعاليات الثقافية في شهر رمضان.
وبعد أن صرت مؤرخاً وأصبح لي العديد من الكتب في مجال التاريخ العسكري والوطني أصبحت استضاف في محافظات مختلفة خلال رمضان وأذكر في أحد الأعوام أنني زرت ثمانية محافظات مثلاً جئت من كفر الشيخ إلى أسيوط ورجعت من أسيوط على الفيوم وكانت فيها متعة حقيقية أنك تذهب إلى الناس في أماكنها وتجد من ينتظرك كي يسمعك ويناقشك.
*سافر الأستاذ محمد الشافعي إلى كثير من الدول هل أدركت رمضان في إحدى هذه الرحلات؟
– نعم .. في عام 2003 وفي شهر رمضان كانت أولى زيارتي لفرنسا، وكان الأمر صعباً جداً أن تذهب إلى فرنسا في رمضان، ونحن لنا طقوس والتقيت صديقي الفنان التشكيلي عبد الرازق عكاشة وقد عرّفني على صديقي الفنان التشكيلي أشرف زرد وكانا يلازماني طوال الرحلة، وسألت عبد الرازق عن المسجد، فتعجب وقال أول واحد يأتي من مصري ويسألني عن المسجد، وكان هناك شارع اسمه (سان جونيه)، وكان نصفه مؤمناً .. فيه المطاعم التونسية والتركية، وفيه مسجد، وكنت أتناول الإفطار في أحد المطاعم وأصلى المغرب والعشاء في مسجد موجود في هذا الشارع في جراج، وبعدها كنا نتجول في أنحاء باريس، ثم ذهبنا إلى مدينة صغيرة تدعى (باستيا) في جزيرة كورسيكا وكانت قديماً تتبع إيطاليا ثم انضمت إلى فرنسا وفيها ولد نابليون بونابرت؛ وهي مدينة جميلة تقع في البحر وقد وصفتها بقولي “أنها إمراة جميلة تسند ظهرها إلى الجبل وتضع قدميها في البحر”، وكانت أياما جميلة.
*أشهر الكتب والأبحاث والمقالات التي أنجزتها فى رمضان؟
– طوال الوقت أعمل في رمضان وفي غير رمضان، منذ بدأت في إصدار أول كتبي منذ عام 1990، والآن أعمل في كتاب بعنوان “حرف السين معجزة الإسلام الكبرى”، وهو يناقش التحديات المستقبلية في القرآن الكريم التي تحدى بها ربنا سبحانه وتعالى المشركين والكفار والمنافقين مثل (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، و(سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ)، و(سنسمه على الخرطوم)، وهي فكرة أنه كان في الإمكان أن المنافقين والكافرين والمشركين أن لا يقولوا وبالتالي يطعنون في القرآن.. مثلا لو أبو لهب ذهب وقال على الملأ “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله”، ولكن الله عمل تحديات مستقبلية لكي يثبت للمؤمنين أنه دين صدق وأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو وحي يوحى، ومن هذا نقرر أن رمضان شهر عمل وبركة وربنا يبارك في الجهود والأعمال، كما أنني انتظر رمضان لقراءة القرآن الذي قوم لغتي وهذبها وأنات خريج زراعة ويشهد الجميع أنني لا أخطي في اللغة العربية أبداً وهذا بفضل القرآن الكريم.
*في النهاية صف لنا رمضان في كلمات؟
– رمضان شيء جميل ما بين الطفولة والشباب والكهولة الآن .. شهر للتأمل وشهر للعبادة وشهر للعمل .. شهر لإعادة ترتيب الأفكار وشهر للإنجاز، وشهر الانتصارات في غزوة بدر وفتح مكة وموقعة عين جالوت وفتح الأندلس نهاية إلى نصر أكتوبر العظيم. وهذا إن دل فإنه يدل على شيء من التحفيز النفسي والروحي والجسدي.