ربما يكون التقدم العلمي والفكري قد أحدث طفرة هائلة في كل ربوع المعمورة، وباتت الجاهلية والبداوة محصورة على بعض البشر الذين لم ترد إليهم رسائل الفكر المستنير، وثمـة من يحاول أن يمنع وصول تلك الرسائل، أو يثبط همة من يرغب في إيصالها لأنه يعلم مقدار ما تحويه من أسرار غزار تسهم في تصحيح مسار المجتمع وتهذيب أفراده بالازدهار الفكري، ومما لا شك فيه أن زواج القاصرات من أبرز المعضلات التي تفاقمت بشكل كبير في جل المناطق الريفية النائية، وقد حاول العديد من المفكرين والدعاة الربانيين مناقشة هذه الظاهرة، محاولين الحد من امتدادها وتوسعها لكن حال الفكر المتشدد دون ذلك، وإلى الآن لم أر بينة حقيقية، أو ذريعة جلية تبيح لرب البيت أن يلقي طفلته في الجحيم تحت مسمى الزواج، فأي زواج هذا؟
وما يثير الاشمئزاز حقـًا، تلك الحجج الواهية التي على إثرها يعجلون في عملية الزواج، فيقول أحدهم ” تتجوز من أجل العفة والستر وأصون عرضي ” وكأن الطفلة ذات الخمسة عشر عـامـًا ستترك دميتها وترحل في الظلام الدامس لملاقاة فارس الأحلام ويفران إلى عالم آخر، فهل أصبحت العفة مرهونة باغتصاب الطفولة؟ وإذا كانت ذريعتك هي العفة التي تعد أسمى أمارات الإيمان، فهل من الإيمـان أن ترغم طفلة على زواج لا تعرف مفهومه إلا في الحكايات الدرامية؟
فأي أثر ننتظر ونحن ننظر إلى الفتاة على أنها عـار وسوأة بحاجة إلى سترة، فهي ببراءتها ونقائها لا تعلم إن كانت ستقترن بملكٍ رحيم أم شيطانٍ رجيم.
ماذا تعرف تلك الطفلة عن النكاح، فهي لا زالت تعانق دميتها بانشراح وحبور، تبتغي وتحلم بمستقبلٍ تكون فيه طبيبة أو مهندسة أو صحفية، لا ترغب في الدخول إلى عالم مفعم بالوحشة والكراهية ، لا ترغب في حمل مسؤوليات والتزامات لا تمت لأحلامها وأمانيها بصلة .. بل تود أن تحمل لذاتها مجدًا وسناءً يليق بقدومها إلى تلك الحياة، تود أن يصفق لها العالم مع أول إنجاز في مسارها المهني، لا التصفيق لارتدائها فستانـًا منسوجـًا بخيوط القهر الصليد، تحدق فيه اليوم، وترنو إليه غدا بعين طافحة بالهواجس والأسى.
وكم هو مؤلم، أن تجد الجهل ذريعة لارتكاب تلك الخطيئة المستبدة، وتغدو الطفلة مجرد سلعة تباع وتشترى تحت أنظار أنصارها وذويها، فبدلًا من أن يساندوها لنيل حريتها، تراهم يهللون ويبتهجون تحت شعار الفرح، يهللون على اختيار لم تختره، وحياة لم تنعم بها ومستقبل لا تتمنى قدومه، وإذا حاولت أن تحتج وتثور من أجل إطلاق سراحها، وصفوها بالمارقة العاصية، فكم هو متحجر وقاس هذا العالم!
والدليل الصارخ على هيمنة الجهل في القلوب قبل العقول، أن معايير اختيار الطفلة القاصر ترتبط ارتباطًا تاما بمدى حسنها الجسدي، وليس نضجها العقلي، فإن كان جسدها فتانــًا ولافتـًا بما يكفي، فقد صلحت للزواج، وإن كان متواضعـًا بعض الشيء فالصبر حتى تطيب، وهذه فلسفة آثمة لا تصدر إلا من البلهاء الرعناء، فهم لا ينظرون إلى مدى نضجها العقلي وإدراكها الفكري ووعيها الذي هو بمثابة الوقود للبيت في المستقبل، فهي التي ستبني العقول بالفقه والمعرفة وتربت على الأفئدة بالحنان والرقة، فماذا أفعل بالجسد الفتان أمام عقلٍ أخرق؟