رغم ما أتى به الإسلام من رسائلَ سامية عززت من مكانة المرأة، ونقلتها من أدغال الظلام إلى بساتين النور إلا إن هناك بعض البشر يتوقون بشكلٍ كبير إلى أيام الجاهلية، يشتاقون إلى عصور التخلف والرجعية، فيتعمدون التشبث بعادات وتقاليدَ يرفضها العقل والمنطق، وتعارضها المؤسسات الدينية،
استحوذ عليهم الجهل فأنساهم رشدهم وإدراكهم فأخذوا يعيثون في الأرض فسادًا متكئين على بعض المرادفات التي لا تمت لهم بصلة كالأصل والشرف والرجولة، ويعد ختان الإناث من أبشع جرائم الفساد الإنساني التي ترتكب في حق المرأة يوميا.
وبالرغم من جهود المجتمع المدني التي استطاعت أن تقلل نسبة هذه الآفة الخطيرة، إلا إنها لا تزال منتشرة في بعض المناطق الريفية النائية الشبه معزولة، فتظهر المؤشرات أن هناك عددًا لا بأس به من الفتيات ما زال يجرى لهن عمليات ختان لا أبالغ إن قلت عمليات هتك للعرض
في وسط أجواء يسودها الحماقة والبلاهة، وفي بيت عامر بلوحات تحمل حكمـًا عظيمة، تأتي الطفلة الصغيرة من المدرسة مهرولة ناحية أمها، تبتغي عناقــًا يعوضها عن يوم دراسي شاق، لكنها تصدم في أمها وأبيها وأنصارها الذين تحولوا فجأة إلى ذئاب بشرية، نزعوا قلوبهم واستبدلوا بها صخرة حطموا عليها براءة ابنتهم.
ثم تأتي سيدة يسمونها «الداية» فمها مثرم إلى حد كبير وعيناها جاحظتان، تشهد قسماتها العتيقة على بشاعة تامة، وفي يدها آلة حادة، وتبدأ في مهمتها المنوطة بها، وعلى حين غرة، ودون أي تخدير موضعي تفقد الفتاة جزءًا صغيرًا من جسدها، وتفقد معه سعادتها إلى الأبد، يصاحب كل هذا زغاريد متلاحقة في مشهد شديد البشاعة، تلك الزغاريد لم تطلق من فراغ أو شغور بل أطلقت إيهامًا لتلك الصغيرة أن ما حدث هو أمرٌ مألوف ويستوجب الإحتفال ،حتى لا تفطن لفعلتهم الشنيعة يومـًا ما.
ورغم الجهود العظيمة التي يبذلها الأزهر الشريف، من توضيح وتفسير لخطورة تلك الفعلة البغيضة إلا إن هناك من يجزم على أن الختان يساهم في عفة المرأة؛ لأنه يقلل إثارتها الجنسية إلى حد كبير!
لكن ما علاقة العفة بتشويه الأعضاء التناسلية؟ ما علاقة العفة بانتهاك خصوصية الفرد والنيل من حريته؟ وتلك الإثارة الجنسية تختلف من شخصٍ إلى آخــر؛ وارد أن تبلغ الإثارة الجنسية لفتاة مداها فتثار من صوت أو من صورة، ووارد أن تقل عند أخرى فتثار من ذكاء شخص أو وعيه، ووارد أن تنعدم، فلماذا لا تفقأ عينيها إذا أثارتها صورة شخص؟ لماذا لا تخرق أذنيها إذا أثارها صوت زميلها؟، وإذا كان الختان يجعلها عفيفة طاهرة مصونة فلماذا يزوجونها قاصرا؟
أليست العفة حجتهم في زواج القاصرات أيضـًا ، أم إنها حجج داحضة يريدون من خلالها مخاصمة الوعي؟
وما يثير النفور، جعل الدين ذريعة لارتكاب تلك الجرائم اللا إنسانية، فانظر إلى حال المرأة قبل قدوم الإسلام، كانت ذليلة مهانة، وكان البنات يدفن أحياء فيقول الله في كتابه العزيز: « وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُون﴾.
فالإسلام الذي جاء محررًا لها من قيود الخضوع والإهانة، وأضفى إليها كرامة ومكانة، أيسلب حريتها الآن ويقطع أجزاءً من جسدها؟
فما يُفعل الآن في حق المرأة ليس إلا تناقض مع مبادئ الإسلام الحقيقية وقيمه السامية النبيلة.