حسين السمنودي
منذ نشأته وحتى اليوم، يخوض الجيش الأمريكي حروبًا خارج أراضيه بلا انقطاع تقريبًا، ولكن حين نفتح دفاتر تلك الحروب ونقلّب صفحاتها واحدة تلو الأخرى، نجد أن هذا الجيش الذي يمتلك أقوى ترسانة عسكرية وأحدث الأسلحة التكنولوجية، لم يحقق انتصارًا حقيقيًا يُحسب له في ميدان الحرب. بل كانت معظم معاركه تتراوح بين فشل عسكري، وهزيمة معنوية، أو انسحاب مذل، أو حتى جرائم ضد الإنسانية سُطرت في كتب التاريخ بمداد العار.
لقد ظنت أمريكا أن كثرة قواعدها العسكرية وحاملات طائراتها وأقمارها الصناعية ستجعل منها قوة لا تُقهر، لكنها أثبتت مع كل معركة جديدة أنها لا تجيد إلا ضرب الأبرياء وتدمير الشعوب، وأنها حين تواجه أعداء حقيقيين لا تملك سوى خيارين: إما الانسحاب أو التدمير الشامل غير الأخلاقي.
لنبدأ من أولى معاركها البعيدة عن أراضيها، مرورًا بالقرن العشرين، وصولاً إلى الحاضر:
في الحرب الكورية (1950-1953)، دخلت الولايات المتحدة تحت مظلة الأمم المتحدة ضد كوريا الشمالية، مدفوعة بالخوف من انتشار الشيوعية. لكن رغم ما أنفقته من مليارات وخسائرها التي تجاوزت 36 ألف قتيل، لم تحقق نصرًا، بل انتهى الأمر بهدنة، وتقسيم كوريا إلى شمالية وجنوبية، كما بدأت تمامًا.
ثم جاءت حرب فيتنام (1955-1975)، وهي الأكثر إحراجًا في التاريخ الأمريكي الحديث. فبالرغم من استخدام الولايات المتحدة كل ما تملك من طيران، وقنابل النابالم، والمروحيات، والأسلحة الكيميائية مثل “العامل البرتقالي”، فإنها عجزت عن هزيمة مقاتلي الفيتكونغ الفقراء، الذين كانوا يحاربون في الأدغال بالكاد بأسلحة خفيفة. انسحب الجيش الأمريكي في مشهد مذل، وعلق جنوده بطائرات الهليكوبتر من فوق سطح السفارة الأمريكية في سايغون، في مشهد لن يُمحى من ذاكرة العالم، حيث قتل فيها ما يزيد على 58 ألف جندي أمريكي، وتكبدت خسائر مادية تجاوزت 120 مليار دولار آنذاك، وعاد الجنود محطمين نفسيًا وجسديًا.
ثم حرب أفغانستان، التي استمرت أكثر من 20 عامًا (2001-2021)، والتي دخلتها أمريكا بحجة محاربة الإرهاب، لكنها لم تحقق فيها شيئًا سوى الخراب والدمار، لتنسحب فجأة وتعود طالبان إلى الحكم كما كانت، لتُثبت أن سنوات القتل والتدمير لم تُثمر شيئًا سوى كراهية الشعوب، وتكلفت الحرب أكثر من 2 تريليون دولار، وخسر الجيش الأمريكي أكثر من 2400 جندي رسميًا، فضلًا عن آلاف الجرحى والمصابين نفسيًا.
أما في العراق، فقد دخلت أمريكا في 2003 بدعوى امتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل، ثم اعترفت لاحقًا أنها كانت “معلومة خاطئة”، ولكن بعد ماذا؟ بعد قتل أكثر من مليون عراقي، وتدمير حضارة، وتسليم البلاد على طبق من ذهب للميليشيات الطائفية، واستنزاف ميزانية أمريكية بأكثر من 1.9 تريليون دولار، ومقتل 4600 جندي أمريكي، وجرح عشرات الآلاف.
وعندما ننتقل إلى حرب اليابان، فإننا نقف أمام جريمة أخلاقية بامتياز. فبعد معارك شرسة بين الطرفين، لم تستطع أمريكا تحقيق نصر حاسم على اليابانيين، فاتجهت إلى القتل الجماعي. ألقت قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناجازاكي في أغسطس 1945، فقتلت أكثر من 220 ألف مدني في لمح البصر. لم يكن ذلك انتصارًا، بل مجزرة عار في جبين أمريكا إلى اليوم. وانتصارها في الحرب العالمية الثانية لم يكن منفردًا، بل نتاج تحالف دولي، كانت فيه أمريكا مجرد شريك، لا القائد الأول.
ثم جاءت المعارك البحرية في الخليج، والبحر الأحمر، والبحر العربي، والمحيط الهادئ، من معارك إيران إلى كوريا إلى بحر الصين الجنوبي، كانت كلها إما انسحابًا من أمام زوارق بسيطة، أو تصعيدًا إعلاميًا لا يغير شيئًا على الأرض.
ولا يمكن أن ننسى اليمن، تلك الأرض التي حاولت أمريكا أن تغزوها بطريقتها الخبيثة، من خلال الطائرات المسيّرة، والعمليات الخاصة. فقد قتلت الطفولة في اليمن، وسلّحت ميليشيات، وساعدت في تمزيق النسيج الاجتماعي للبلد. في 2002 نفذت أول عملية اغتيال بطائرة مسيّرة في اليمن، وقتلت مدنيين أبرياء بحجة محاربة الإرهاب. وفي العقد الأخير، دعمت العدوان السعودي الإماراتي بالسلاح واللوجستيات، لكنها عجزت عن حماية سفنها في البحر الأحمر من ضربات جماعة الحوثي، وعجزت عن إنقاذ رهائنها من الهجمات، واضطرت للانسحاب أكثر من مرة، بينما تتلقى اليوم طعنات من أسلحة بسيطة لم تستطع أمريكا حتى اعتراضها.
ثم نصل إلى المأساة الكبرى: غزة.
حرب أمريكا والصهاينة ضد أطفال غزة لم تنتهِ، لكنها بدأت تفضح الجميع. دعمت أمريكا الاحتلال الإسرائيلي بكل أنواع السلاح، بالقنابل الذكية والغبية، ووفرت الغطاء السياسي والفيتو في مجلس الأمن، بل وشاركت عسكريًا ومخابراتيًا، لكنها لم تستطع أن تحقق نصرًا لإسرائيل. لم تستطع أمريكا بكل قوتها العسكرية والتكنولوجية أن تُخمد صرخة طفل، أو تُسكت أمًّا ثكلى، أو تكسر إرادة شعب. ظلّت غزة صامدة، رغم الحصار، رغم القصف، رغم المجازر التي فاقت الوحشية، لأن من يقاتل من أجل حقه لا يُهزم، ومن يقتل الأبرياء لا يُنتصر.
لقد خسر الجيش الأمريكي في كل معركة أخلاقه قبل أن يخسر جنوده، وخسر هيبته قبل أن يخسر معداته، وخسر تاريخه قبل أن يكتب سطرًا واحدًا فيه بالنصر.
يمتلك ترسانة ترعب، لكنها لم تنفعه أمام شعوب تملك الإرادة والعقيدة والحق. فليكن عبرة لكل من يظن أن السلاح أقوى من الإيمان، وأن البارود أنفع من الكرامة.