في أرض دمياط، حيث تختلط رائحة الخشب بعزة النفس، وتروي المطارق والسكاكين حكايات المجد المتوارث، يولد النجاح على هيئة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. من هناك خرج الشاب المصري الوطني محمد الحطيبي، حاملاً طموحه بين كفيه، مؤمنًا بأن اليد التي تعمل لا تُهان، وأن الكرامة لا تُستجدى بل تُنتزع بعرق الجبين وحُسن العمل.
لم يكن محمد الحطيبي من أبناء الحظ، بل من أبناء الإرادة. وُلِد في بيت بسيط لكنه غني بالقيم والأخلاق، فتربى على احترام العمل وتقديس الصنعة. منذ نعومة أظافره، انجذب إلى عالم الموبيليا، لا من باب الوراثة وحدها، بل من باب الشغف والإيمان بأن لصناعة الأثاث رسالة جمالية ووظيفية وإنسانية. رأى في كل قطعة خشب مادة خام لحلم جديد، وفي كل مسمار نافذة على مستقبل ينتظره.
لم يلتحق الحطيبي بجامعات أوروبية، ولم تُفتح له أبواب الثراء السريع، لكنه التحق بمدرسة الحياة، وتخرج من جامعة الورش المتواضعة، حيث تعلم من الكبار، ومن التجارب، ومن فترات الكساد كما تعلم من فترات الانتعاش. أدرك منذ البداية أن النجاح لا يأتي دفعة واحدة، وإنما يُنحت بصبر وأناة، وأن من أراد الوصول فعليه أن يبدأ من حيث يقف لا من حيث يحلم فقط.
بدأ مشواره في إحدى ورش الموبيليا المتواضعة داخل أزقة دمياط القديمة، يحمل الخشب على كتفه، ويصقل الأمل في قلبه، يُعلّم نفسه بنفسه، ويقف ساعات طويلة يراقب الأساتذة الكبار في فن الحفر والتنجيد والتشطيب، حتى أصبح يمتلك عينًا فنية قادرة على تحويل الخشب إلى تحفة، وعقلاً إداريًا يعرف متى يُنتج ومتى يُسوّق ومتى يبتكر.
مع الوقت، بدأ الحطيبي يصنع لنفسه اسمًا لامعًا في عالم الأثاث، لم يكن مجرد نجّار ماهر، بل أصبح صانع ذوق، ورجل مشروع، يعرف قيمة التفاصيل. أنتج قطعًا تجمع بين الرقي والبساطة، مزج فيها بين المدرسة الدمياطية العريقة ومتطلبات العصر الحديث. لم يقلّد، بل أبدع، ولم يكرّر، بل جدّد. وكان دائمًا يقول: “الموبيليا مش خشب بس.. دي رؤية وفكر ورسالة”.
لم يكن طريقه مفروشًا بالورود، بل واجه التحديات التي أرهقت جيله كله، من أزمات ارتفاع أسعار الأخشاب ومستلزمات الإنتاج، إلى المزاحمة بالمنتجات المستوردة الرخيصة التي أفسدت الذوق العام، لكنه تمسك بجودته، وبثقة زبائنه، وبمبدأه في أن المنتج المصري لا يقل عن أي منتج عالمي. وكان دائمًا يعيد الاستثمار في نفسه، ويطوّر ورشته، ويُدخل أحدث الآلات، ويُدرّب العمال على أحدث الأساليب.
ولم يكن النجاح عنده فرديًا، بل جماعيًا، فقد حرص على فتح أبواب الخير لغيره، فدرّب شبابًا من أبناء دمياط ممن لم يجدوا فرصة، وكان لهم بمثابة الأخ والمعلم. لم يستكثر النجاح على نفسه، بل وزّعه على من حوله، فأصبح في محيطه مركز إشعاع إيجابي، يغيّر النظرة للعمل الحرفي، ويُحيي الأمل في قلوب المحبطين.
توسعت منتجات الحطيبي لتصل إلى مختلف محافظات مصر، بل وبدأت تُطلب منه من خارج البلاد، بعد أن نالت إعجاب العملاء لجودتها العالية وذوقها المتميز. وأصبح يتلقى طلبات من المعارض، والفنادق، والعائلات الكبيرة، بل ومن بعض الفنانين ممن آمنوا بتميزه وموهبته. وكان كل ذلك بركة السعي، ونِعمة التوكل، وقيمة الصدق في العمل.
ما يميّز محمد الحطيبي عن غيره أنه لم يتغيّر رغم النجاح، ولم تتغير لغته أو ملامحه، بل ظل كما هو، شابًا بسيطًا يحب تراب بلده، ويفتخر بأنه صنع نفسه بنفسه، ويؤمن بأن دمياط تستحق أن تتربع على عرش صناعة الموبيليا في العالم، وأن شبابها يستطيعون، إذا أُتيح لهم الدعم، أن ينافسوا أعتى الأسواق العالمية.
ولعل تجربته تقول لنا بوضوح إن مصر لا تعاني من قلة العقول أو ضعف الإمكانيات، بل تعاني من نقص الفرص الحقيقية والتسليط الإعلامي على النماذج الحقيقية. فمحمد الحطيبي لا يقل وطنية عن من يقف في ميدان القتال، لأنه يخوض معركة أخرى لا تقل شرفًا: معركة البناء، والتطوير، والاعتماد على الذات.
إن قصة محمد الحطيبي هي مرآة تعكس جوهر الإنسان المصري حين تتوافر له الإرادة والنية الطيبة، وهي دعوة لكل شاب بأن يثق في قدراته، ويبدأ ولو من الصفر، لأن النجاح لا يُولد كاملًا، بل يُبنى حجرًا فوق حجر، وخطوة تليها خطوة، ودمعة يعقبها ابتسامة.
وفي زمن كثُرت فيه النماذج المصطنعة والنجاح الزائف، فإن نموذج محمد الحطيبي يسطع بصدق كأنه شمعة في ليل طويل، يبعث برسالة تقول: ما زال في مصر رجال، يصنعون الحلم ويثبتون أن اليد العاملة أطهر من ألف لسان، وأن الوطن لا يُبنى بالشعارات بل بسواعد أبنائه الصادقين.