في بداية مقالي أقول يبدو إنه تتجسد المفارقة المأساوية في الخطاب السياسي المعاصر عندما يختلط صوت السلام بنيران القتل. فبينما يروج دونالد ترامب، بطل الدبلوماسية المباشرة، لضرورة نزع السلاح النووي العالمي ويعرب عن قلقه من تصاعد الصراع في أوكرانيا، يشارك نظامه في تمويل ودعم حرب إبادة جماعية في غزة. هذا التناقض الصارخ لا يمكن تجاهله، فهو يكشف عن ازدواجية معايير مخيفة تضع حياة الفلسطينيين على هامش الاهتمام الدولي، بينما تمنح الأولوية لمصالح القوى العظمى. إنها مهزلة سياسية تفضح زيف الشعارات الإنسانية وتؤكد أن القوة لا تزال هي الحاكم الأوحد في عالمنا.
وهم السلام النووي والدبلوماسية المباشرة
في عالم تتسابق فيه القوى العظمى لتكديس أسلحة الدمار الشامل، يظهر ترامب بمقترح جريء لنزع السلاح النووي بالتعاون مع روسيا والصين. يرى في ذلك “هدفاً عظيماً جداً” يمكن تحقيقه عبر الدبلوماسية المباشرة التي يجيدها، بحسب قوله. هذا الخطاب الطموح، الذي يهدف إلى تخفيف حدة التوترات العالمية، يتناقض تماماً مع الواقع. فبينما يتحدث عن “إنهاء الكابوس” النووي، لا يجد حرجاً في المساهمة في أكبر كابوس إنساني في غزة. إن هذا التباين يسلط الضوء على أن مفهوم السلام لدى ترامب مقصود، ولا يشمل كل الشعوب، بل هو أداة لتحقيق أجندة سياسية معينة.
مأزق أوكرانيا والعبث بالضمانات الأمنية
وفي سياق آخر، يواصل ترامب إثارة الجدل حول الملف الأوكراني، معرباً عن قلقه من فشل قمة محتملة تجمع بين زيلينسكي وبوتين. وفي تصريح مثير للدهشة، يحدد ترامب بوضوح أن بلاده لن تنفق المزيد من الأموال في أوكرانيا، تاركاً إياها تعتمد على دعم الناتو، الذي لا يقدم ضمانات كافية. هذا الموقف يكشف عن أن سياسته الخارجية لا تعتمد على الالتزامات الدولية، بل على مصالح الولايات المتحدة فقط. وفي الوقت الذي يتحدث فيه عن نزع الأسلحة النووية مع روسيا، يؤكد أنه لن يضحي بالمال الأمريكي من أجل بلد يعاني من ويلات الحرب، وهو ما يعكس أن الأمن العالمي لديه يخضع لقواعد الربح والخسارة.
التكلفة الإستراتيجية: كيف يهدم التناقض الترامبي مصداقية أمريكا ويغذي الفوضى العالمية؟
هذا التمييز الصارخ في التعامل ليس مجرد انتهازية سياسية عابرة، بل هو استراتيجية متعمدة تخدم رؤية ترامب العدمية للنظام العالمي. إن سحب الضمانات الأمنية من أوكرانيا تحت شعار “أمريكا أولاً”، بينما يتم ضخ أسلحة غير مشروطة لتمكين إبادة جماعية في غزة، يرسل رسالة مفادها أن القيمة الأخلاقية للحليف أو الضحية تُقاس بمدى انسجامها المصلحي مع اللحظة الراهنة لواشنطن، وليس بأي معايير ثابتة للقانون أو الإنسانية. النتيجة الحتمية لهذا النهج هي إضعاف فكرة التحالفات القائمة على الثقة من أساسها، وتشجيع الدول على تبني سياسات منفردة وقصيرة النظر، بل وتوفير غطاء للقوى الإقليمية لارتكاب فظائعها بضمانة الحصانة الأمريكية. باختصار، بينما يبيع ترامب وهم “السلام النووي”، فإنه في الواقع يهندس فوضى عالمية مُربحة للبعض ومميتة للآخرين، حيث يكون القوي هو فقط من يملك الحق في تحديد من يستحق الحياة ومن يستحق الموت.
غزة: “كابوس” يتحول إلى جريمة معترف بها
يصل التناقض إلى ذروته عندما يتطرق ترامب إلى الوضع في غزة. فبينما يعلن أنه “مستاء” من قصف مستشفى ناصر الذي أودى بحياة العشرات، بما فيهم صحفيون، ويصف ما يحدث بـ”الكابوس”، لا يتوانى عن دعم الآلة العسكرية الإسرائيلية التي ترتكب هذه الجرائم. تصريحه بأن نهاية الحرب ستكون خلال “أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع” هو محاولة للتخفيف من وطأة الكارثة وتضليل الرأي العام، مع تجاهل حقيقة أن نظامه هو شريك أساسي في هذه الجريمة. هذا التضارب بين القول والفعل، بين الاستياء الظاهري والدعم الفعلي، هو اعتراف صريح بأن الإدارة الأمريكية شريك كامل في الإبادة والتجويع.
وختامًا: إن هذه السلسلة من التصريحات المتناقضة ليست مجرد زلات لسان عابرة، بل هي تعكس استراتيجية سياسية ممنهجة تقوم على أساس المصالح وليس المبادئ. فبينما يطالب العالم بنزع السلاح النووي، لا يجد حرجاً في تسليح كيان يمارس الإبادة الجماعية. بينما يتظاهر بالقلق على مصير أوكرانيا، يواصل دعم الجلاد في غزة. هذا التناقض الفاضح يثبت أن القانون الدولي لا قيمة له عندما يتعلق الأمر بمصالح القوى العظمى، وأن حقوق الإنسان تتحول إلى شعارات فارغة عندما تكون الضحية فلسطينية. إن “المستاء” من الكابوس هو نفسه من يصنعه، وهذا يفرض علينا أن ندرك أن وهم السلام الذي يروجه ترامب ليس إلا غطاءً شفافاً لسياسة قذرة تقوم على القتل والتدمير.