في عالم تتشابك فيه التحالفات وتتغير فيه موازين القوى، يأتي إعلان الصين وروسيا عن سعيهما المشترك لبناء نظام عالمي أكثر عدلاً وإنصافاً ليثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الحكم العالمي. هذا الإعلان، الذي يرفض الهيمنة الأحادية ويدعو إلى التعددية القطبية، لا يأتي من فراغ. بل هو نتيجة مباشرة للصدوع التي ظهرت في النظام العالمي القائم، خاصة في أعقاب حرب غزة التي كشفت عن ازدواجية معايير فاضحة وعجز مؤسسات دولية أساسية عن تطبيق العدالة. لقد سئمت الشعوب من رؤية الفيتو يُستخدم لحماية مجرمي الحرب، وتُركت الأمم المتحدة عاجزة وفاقدة للمصداقية أمام العالم.
النظام القديم يتهاوى: صراع المصالح بدلاً من العدالة
لقد أصبح واضحًا أن النظام العالمي، الذي أُسس بعد الحرب العالمية الثانية، لم يعد قادرًا على تمثيل مصالح جميع الدول بشكل عادل. لقد وُلد هذا النظام على يد المنتصرين في الحرب، الذين منحوا أنفسهم حق النقض “الفيتو” والعضوية الدائمة في مجلس الأمن، مما خلق نموذجًا هرميًا للسلطة. إن هذا الخلل الجوهري يتجلى بوضوح في الأزمات الراهنة. فبينما كانت المؤسسات الدولية تُستخدم لمحاكمة بوتين، نراها الآن عاجزة عن محاسبة إسرائيل. هذا الانحياز لم يعد خفيًا، بل أصبح علنيًا، وأضعف من مصداقية هذه المؤسسات أمام شعوب العالم.
تحدي الهيمنة الأمريكية: تحالف من أجل العدالة؟
إن إعلان الصين وروسيا عن سعيهما لنظام عالمي جديد هو تحدٍ مباشر للهيمنة الأمريكية التي سادت منذ عقود. لقد أثبتت الولايات المتحدة، من خلال دعمها اللامحدود لإسرائيل.
(وفقاً لتقرير لمجموعة الأزمات الدولية “ICG” في ديسمبر 2023، فإن الولايات المتحدة قدمت دعماً دبلوماسياً وعسكرياً غير مشروط لإسرائيل رغم تصريحاتها العلنية الداعية إلى حماية المدنيين.
، أنها مستعدة لتقويض القانون الدولي وإضعاف المؤسسات التي ساهمت في تأسيسها من أجل مصالحها الخاصة. هذا الموقف دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل، ووجدوا في التحالف الصيني الروسي نموذجًا محتملاً لنظام أكثر توازنًا. إن فكرة “الحوكمة المتوازنة” القائمة على المساواة السيادية وسيادة القانون تجد صدى واسعًا لدى الدول التي سئمت من الإملاءات الغربية.
ترحيب شعبي: الأمل في نظام عالمي جديد
إن التضامن الشعبي والمؤسسي الذي يظهر حول العالم مع إعلان الصين يعكس حالة من الإحباط العميق من الوضع الراهن. لقد سئمت الشعوب من رؤية المظلوم يُقتل، والظالم يُحمى. إن عجز الأمم المتحدة في غزة كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. لقد فقدت المنظمة الدولية مصداقيتها أمام أعين الملايين، الذين يرون أن القرارات الدولية تُباع وتُشترى. إن إعلان الصين وروسيا، بغض النظر عن دوافعهما، يفتح بابًا للأمل في أن نظامًا جديدًا قد يولد، نظامًا يرفض الظلم، ويحقق العدالة، ويمنح صوتًا للذين طالما تم إسكاتهم.
وهذا الترحيب لا يفتقر إلى الدليل الإحصائي؛ فاستطلاع رأي أجرته مؤسسة ‘بيو ريسيرش سنتر’ في 2023 شمل 23 دولة أظهر أن نسبة الثقة في الولايات المتحدة كقائدة للعالم قد انخفضت إلى أدنى مستوياتها التاريخية “28% في المتوسط”، بينما عبرت أغلبية في العديد من الدول النامية عن تفضيلها لنظام متعدد الأقطاب. في السياق العربي، كشفت استطلاعات للرأي أن أكثر من 80% من المشاركين يرون أن السياسة الأمريكية هي العقبة الرئيسية أمام تحقيق السلام في الشرق الأوسط.
التحديات والانتقادات: هل النظام البديل أكثر عدلاً؟
رغم الإجماع على إخفاقات النظام العالمي الحالي، إلا أن التساؤلات تظل قائمة حول مدى قدرة النموذج الصيني الروسي على تقديم بديل أكثر عدالة. فكلا البلدين يواجه انتقادات حادة حول سجلهما في حقوق الإنسان وحرية التعبير واحترام سيادة الدول الأخرى.
يصنف تقرير ‘فريدوم هاوس’ السنوي كلاً من روسيا والصين على أنهما ‘غير حرة’، فيما تضعهم ‘مؤشر الديمقراطية’ The Economist في فئة ‘الأنظمة الاستبدادية. كما أن نموذج “التعددية القطبية” قد يخفي تحته تنافسًا على النفوذ قد لا يختلف عن الهيمنة الأحادية، وإن تعددت أقطابه. لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس فقط في تغيير القيادة العالمية، بل في ضمان أن يكون النظام البديل قائمًا على قيم ومؤسسات تحقق العدالة بالفعل للدول الصغيرة والمجتمعات المهمشة، لا أن يستبدل هيمنة قديمة بأخرى جديدة.
خاتمة: النظام القديم يحتضر والنظام الجديد يولد
إن حرب غزة لم تكن مجرد صراع إقليمي، بل كانت بمثابة اختبار حقيقي للنظام العالمي القائم، وقد فشل هذا الاختبار فشلاً ذريعًا. لقد أظهرت الحرب أن المؤسسات الدولية، التي كان يُفترض أنها تمثل العدالة، ليست سوى أدوات في أيدي القوى الكبرى. إن إعلان الصين وروسيا عن سعيهما لنظام عالمي جديد هو إشارة واضحة إلى أن العالم يتغير. لقد سقط القناع عن وجه الهيمنة الأحادية، وأصبح العالم مستعدًا لتقبل فكرة التعددية القطبية. هل سيشهد العالم نظامًا أكثر عدلاً؟ الإجابة لا تزال غامضة، ولكن المؤكد هو أن النظام القديم يحتضر، وأن نظامًا جديدًا يتشكل، ربما من رماد غزة.
وهذا العجز ليس حادثاً معزولاً مرتبطاً بغزة فحسب، بل هو نمط متكرر جسده الفيتو الروسي الأمريكي المتبادل الذي شل أي إجراء حقيقي خلال الأزمة السورية، مما أطال أمد الحرب وأدى إلى مآس إنسانية لا حصر لها. قبل ذلك، كان غزو العراق عام 2003 بمثابة الضربة القاضية لمصداقية النظام العالمي، حيث تمت تغطية عملية غزو لدولة ذات سيادة خارج إطار الأمم المتحدة والقانون الدولي بشكل صارخ.