في بيان صحفي صادر عنه اليوم، قال نبيل أبوالياسين – الحقوقي والمحلل البارز، الباحث في الشأن العربي والدولي – إن تأييد النائب حكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي، للمرشح زهران ممداني في سباق عمدة نيويورك، يمثل أكثر من مجرد دعم انتخابي تقليدي. إنه إشارة واضحة على أن المعركة داخل الحزب الديمقراطي قد حسمت لصالح جناحه التقدمي، واعتراف بأن اللحظة الراهنة تتطلب وقفة صادقة وجريئة لمواجهة السياسات التي يمثلها الرئيس دونالد ترامب وحلفاؤه. في هذا الدعم، تعبر نيويورك، بكل تنوعها وثرائها الثقافي، عن وجه أمريكا الأكثر إشراقاً والأكثر قدرة على تجاوز خطاب الخوف والانقسام.
دعم في لحظة مصيرية
وأضاف أبوالياسين: “لم يكن قرار النائب حكيم جيفريز، أحد أبرز السياسيين السود في البلاد وناقداً حاداً سابقاً للاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، اتخاذاً بسهولة. فبعد أشهر من التردد والمقاومة الداخلية، أعلن جيفريز دعمه لممداني في بيان مكتوب قبل يوم واحد فقط من بدء التصويت المبكر، في خطوة متأخرة لكنها محسوبة بدقة. لقد أقر جيفريز بوجود “مناطق خلاف مبدئي” مع ممداني، لكنه أكد أن الأخير فاز “بانتخابات حرة ونزيهة” في الانتخابات التمهيدية، وشدد على الحاجة الملحة لوحدة الحزب في مواجهة التهديد “الوجودي” الذي يمثله الرئيس ترامب وسياساته”. وقد جاء هذا التأييد ليمنح حملة ممداني دفعة قوية في الأيام الأخيرة قبل الاقتراع.
معادلة سياسية جديدة وتطلعات جماهيرية
وأشار المحلل البارز إلى أن “هذا الدعم لم يأت من فراغ، بل جاء تتويجاً لتحولات أجراها ممداني نفسه، استجابة جزئية لضغوط قادة الحزب. فقد تبنى خطاباً أكثر شمولاً، ووعد بالاعتذار عن بعض التعليقات السابقة، وتعهد بأن يثبط استخدام شعارات مثيرة للجدل مثل “عولمة الانتفاضة”، كما أعلن عن نيته الإبقاء على مفوضة الشرطة الحالية جيسيكا تيش في منصبها، وهو ما وصفه جيفريز بأنه “النهج الذي تتطلبه هذه اللحظة”. وأكد أبوالياسين أن هذه التحولات، رغم جدليتها، تعكس مرونة تكتيكية ووعياً بالمتطلبات العملية لإدارة مدينة معقدة مثل نيويورك، دون التخلي عن الجوهر التقدمي لبرنامجه الذي يركز على أزمة المساكن والقضايا الاقتصادية للطبقة العاملة.
ردود فعل الخصوم وتصدع التحالفات التقليدية
ولفت أبوالياسين إلى أن “ردود الفعل من المعسكر المعارض لم تكن بطيئة، حيث سارع المتحدث باسم لجنة الحملة الجمهورية في مجلس النواب إلى وصف قرار جيفريز بأنه “استسلام رسمي للغوغاء الاشتراكيين”، بينما واصل الرئيس ترامب نفسه في خطاباته هجومه على ممداني، واصفاً إياه بـ “الشيوعي” ومهدداً بقطع التمويل الفيدرالي عن المدينة في حال فوزه. من جهة أخرى، كشفت الضغوط التي مارستها ميليسا ديروسا، اليد اليمنى للحاكم السابق أندرو كومو، على أعضاء في الكونغرس لمحاولة ثني جيفريز عن دعم ممداني، عن عمق الهوة داخل التحالف الديمقراطي التقليدي وخوف النخبة القديمة من صعود الموجة التقدمية الجديدة”.
السياق الوطني ومعركة هوية الحزب الديمقراطي
وفند أبوالياسين في بيانه “أطروحة بعض المحللين الذين يرون في دعم جيفريز مجرد مناورة سياسية محلية، مؤكداً أن هذه الخطوة تعكس تحولاً أعمق في معركة الهوية التي يعيشها الحزب الديمقراطي على المستوى الوطني. فبينما لا يزال جناح الوسط، الممثل بقيادات مثل السناتور تشاك شومر، متوجساً، فإن نجاح مرشح مثل ممداني، بقاعدة شعبية وشبابية متحمسة، يثبت أن الطاقة والنشاط داخل الحزب تتحرك بقوة نحو تبني سياسات أكثر تقدماً وجرأة. هذه ليست مجرد معركة على عمدة نيويورك، بل هي جولة في حرب مصيرية لتحديد وجه الديمقراطيين الأمريكية وروحها في السنوات القادمة”.
وختم أبوالياسين بيانه الصحفي بالقول: إن ما يجري في نيويورك اليوم هو أكثر من سباق انتخابي؛ إنه اختبار لإرادة أمريكا في مواجهة نفسها. إن تأييد حكيم جيفريز لزهران ممداني هو اعتراف بأن مستقبل الحزب الديمقراطي، وربما مستقبل السياسة الأمريكية، لم يعد محكوماً بمعادلات الماضي. إنها رسالة قوية مفادها أن الأصالة في الدفاع عن الطبقة العاملة والجماعات المهمشة، والشجاعة في نقد السياسات الخارجية الفاشلة، والتصدي بلا هوادة لخطاب الكراهية والإسلاموفوبيا، هي الأقدر على صناعة التغيير. إن الناخبين، في النهاية، يبحثون عن قادة يرون آلامهم ويقدمون حلولاً جريئة لها، وليس عن سياسيين محترفين يرقصون على أنغام مانحين أو يخشون المواجهة. المعركة حامية، والطريق طويل، لكن نيويورك على موعد مع التاريخ.