أعترف أننى فى مواقف كثيرة ظننت أن الأيام قادرة على أن تنهى أى علاقة، وأن البعد كفيل بأن يطفئ أى دفء بين البشر. لكن مع الوقت اكتشفت شيئا مهما، ان هناك ناس خلقوا ليكونوا سندا مهما تبدلت الطرق، ومهما حاولت الظروف أن تضع بينكم مسافات لا تقاس بالأمتار فقط، بل بالمشاغل والضغوط وتغير الأحوال.
هؤلاء هم الذين يثبتون لك أن العلاقات الإنسانية ليست بالزمن الذى تقضيه مع أحد، بل بالصدق الذى يحمله لك. قد تبتعد عنهم شهورا، وقد يأخذ كل منكم طريقا مختلفا، لكن عندما تلتقى بهم من جديد تشعر وكأن الزمن توقف عند آخر لحظة جميلة بينكم.
ولأننى رأيت هذا النوع من الناس فى حياتى، أدركت أن كلمة السند ليست وصفا عابرا… بل دهشة مستمرة. أن تجد من يفهمك دون شرح، من يدعمك دون أن تطلب، من يعرف قيمتك حتى فى أوقات مرتبكة لا تعرف أنت فيها قيمتك، ولعل أجمل ما فى السند الحقيقى أنه لا يشبه الآخرين، لا ينافسك، ولا يثقل عليك، ولا يذكرك بما فعل من أجلك. حضوره فى حياتك يشبه يدا تسند ظهرك دون أن تراها، لكنك تشعر بها جيدا. وكلما جمعتنى الحياة بهؤلاء أشعر أننى أقف على أرض ثابتة وسط عالم لا يهدأ
فى زحمة الحياة وضجيجها، تتبدل وجوه كثيرة من حولنا، البعض يقترب حين يسهل الاقتراب، ويختفى حين تشتد الأيام. لكن يبقى هناك نوع نادر من البشر، وجودهم فى حياتنا يشبه الأعمدة الخفية التى تحمل السقف دون أن يراها أحد… ناس لا يعرفون الظهور إلا عند الشدائد، ولا يطلبون مقابلا لوقفتهم، ولا يغيرهم غياب أو مسافات أو تقلبات الأيام، قد تبعدهم مشاغل الحياة، وقد تفرقهم ظروف العمل أو السفر أو خلافات عابرة، لكن شيئا فى جوهر العلاقة يبقى ثابتا كأن الزمن لا يملك مفتاحه.
السند الحقيقى لا يختبرك، ولا يكتب غيابك فى سجل الحسابات، ولا يتغير مزاجه حسب الفصول. هو الشخص الذى يكفيك منه كلمة تطمئنك، أو موقف بسيط يعيد إليك الاتزان. قد تمر شهور دون تواصل، لكنك تعلم فى داخلك أنه موجود… وأن طرق العودة إليه لا تحتاج اعتذارا ولا تبريرا.
وربما لا نملك أن نعيد لهم ما يمنحوننا إياه، لكننا نملك شيئا واحدا، أن نحتفظ بهم كما تحتفظ بالكنوز… وأن نخبر أنفسنا دائما بأن وجود السند ليس مجرد علاقة، بل هو رحمة من الله نعيش بها ونتقوى عليها.
اليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، أدرك أن الحفاظ على هؤلاء الناس واجب… ليس لأنهم كثيرون، بل لأنهم نادرون. وإن كانت الظروف تفرق طرقنا، فالقلوب تعرف طريقها مهما طال الغياب