لقد شهدت مصر خلال الفترة من 2014 إلى 2024 توسعًا ملحوظًا في مشروعات تحلية المياه، خاصة في المناطق الساحلية وسيناء والبحر الأحمر، في إطار رؤية استراتيجية تستهدف تعزيز الأمن المائي ودعم مسارات التنمية المستدامة. ولم تقتصر هذه المشروعات على بعدها الفني أو الخدمي، بل حملت أبعادًا جيوسياسية مهمة، لا سيما عند تحليلها في ضوء مثلث NEXUS الذي يربط بين المياه والطاقة والغذاء.
جيوسياسيًا، أسهمت مشروعات تحلية المياه في تقليل درجة الاعتماد النسبي على مصادر المياه العابرة للحدود، وهو ما عزز من هامش الاستقلالية الاستراتيجية لمصر في إدارة ملفها المائي. ففي ظل التحديات الإقليمية المرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ، وفرت التحلية خيارًا سياديًا بديلًا يحد من الضغوط السياسية المرتبطة بالمياه المشتركة، ويعزز قدرة الدولة على المناورة في بيئة إقليمية معقدة.
وفي إطار مثلث NEXUS، ارتبطت تحلية المياه ارتباطًا وثيقًا بقطاع الطاقة، حيث دفعت الحاجة إلى تشغيل محطات التحلية إلى التوسع في استخدام مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في المناطق الساحلية. هذا التوجه لم يسهم فقط في خفض التكاليف البيئية، بل عزز مكانة مصر إقليميًا كدولة تسعى إلى تحقيق توازن بين الأمن المائي والتحول الطاقي، وهو ما انعكس إيجابيًا على صورتها الدولية وشراكاتها التنموية.
أما على صعيد الأمن الغذائي، فقد أسهمت مشروعات التحلية في دعم التوسع العمراني والزراعي في المناطق الجديدة، بما فيها مشروعات الاستصلاح الزراعي والمجتمعات العمرانية الساحلية. ويمثل ذلك تحولًا استراتيجيًا يقلل الضغط على وادي النيل والدلتا، ويعيد توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية بشكل أكثر توازنًا، وهو ما يحمل بعدًا جيوسياسيًا داخليًا يتمثل في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتقليص الفجوات التنموية بين الأقاليم.
كما كان لهذه المشروعات أثر مباشر في تعزيز الدور الإقليمي لمصر، من خلال تصدير الخبرات الفنية، وجذب الاستثمارات الدولية، وبناء شراكات مع دول تعاني من تحديات مائية مشابهة. وقد أسهم هذا الدور في ترسيخ مكانة مصر كفاعل إقليمي في قضايا الأمن المائي والتنمية المستدامة، خاصة في محيطها العربي والأفريقي.
جملة القول، يمكن التأكيد أن مشروعات تحلية المياه في مصر خلال الفترة (2014–2024) تجاوزت كونها حلولًا تقنية لأزمة مائية، لتصبح أداة جيوسياسية داعمة للتنمية المستدامة في إطار مثلث NEXUS. فقد عززت هذه المشروعات من الأمن القومي، ووسعت من خيارات الدولة الاستراتيجية، وأسهمت في بناء نموذج تنموي أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.