عبدالرحيم عبدالباري
تؤكد واقعة إنقاذ فتاة تعاني من مرض مناعي نادر في مستشفى الزقازيق العام قدرة الفرق الطبية المصرية على مواجهة الحالات الحرجة والمعقدة، وتعكس التطور الكبير في الرعاية الصحية بالمحافظات خارج القاهرة الكبرى. فالحالات التي تتطلب تدخلًا طبيًا مكثفًا، مثل أزمة الوهن العضلي الوبيل التي تصيب عضلات الجسم وتؤدي إلى فشل تنفسي، كانت تشكل تحديًا كبيرًا لمستشفيات المنطقة في السابق. اليوم، توضح التجربة كيف يمكن للتنسيق بين فرق متعددة التخصصات أن ينقذ حياة المرضى ويعيد إليهم الأمل.
استقبل مستشفى الزقازيق العام الفتاة البالغة من العمر 30 عامًا محولة من إحدى المستشفيات المركزية، وهي في حالة حرجة مع انخفاض شديد في الوعي وضعف العضلات وفشل تنفسي من الدرجة الأولى، ما استدعى وضعها على جهاز التنفس الصناعي فورًا. تحت إشراف الدكتور رمضان النمر رئيس عناية الطوارئ، وبالتنسيق مع أطباء المخ والأعصاب، تم إجراء فحوصات دقيقة وأشعة شاملة، كشفت عن التهاب رئوي إضافي، مما أضاف تعقيدًا للحالة. هذه المرحلة كانت حاسمة لتحديد خطة العلاج المكثفة، والتي وضعت أساسًا للتدخل العاجل الذي أنقذ حياة المريضة.
تم تشخيص الفتاة بأزمة وهن عضلي وبيل، وهو مرض مناعي نادر يهاجم العضلات ويؤدي لفشل التنفس إذا لم يُعالج بشكل سريع. اتخذ الفريق الطبي قرارًا بإجراء خمس جلسات فصل بلازما، بهدف إزالة الأجسام المناعية المسببة للمرض. وأوضح الدكتور أحمد البيلي وكيل وزارة الصحة بالشرقية أن هذه التقنية أثبتت فعاليتها في تحسين قوة العضلات والوعي تدريجيًا، كما أوضح أن متابعة العلامات الحيوية للمريضة كانت دقيقة ومستمرّة على مدار الساعة، مع تعاون وثيق بين فريق العناية المركزة وفريق التمريض المتخصص لضمان أعلى درجات السلامة العلاجية.
لم يقتصر دور الفريق الطبي على التدخل العلاجي فقط، بل شمل خطة متكاملة للعلاج الطبيعي والتغذية العلاجية، لتنشيط عضلات الأطراف وتقوية الجسم بعد المرحلة الحرجة. كما تم وضع خطة دقيقة لمراقبة وتعديل السوائل والأدوية قبل وبعد جلسات فصل البلازما. هذا النهج المتكامل أبرز أهمية التعاون بين الأقسام المختلفة، بما في ذلك قسم التغذية، وعلاج الكلى الصناعي، والصيدلة الإكلينيكية، لضمان تقديم رعاية شاملة تراعي كل جوانب صحة المريض.
شارك في عملية إنقاذ المريضة فريق متخصص من الكلى الصناعي، تحت إشراف الدكتور محمد إمام رئيس القسم والدكتور أحمد سليمان، حيث تم استخدام جهاز CRRT لمراقبة وتنقية الدم بدقة عالية. هذا التدخل الطبي ساعد على تحسين حالة المريضة تدريجيًا، مع تقليل المضاعفات الناتجة عن المرض والفشل العضلي التنفسي. وبالتوازي، كانت فرق الصيدلة الإكلينيكية برئاسة الدكتورة مي منير تقوم بضبط جرعات الأدوية ومراجعة الخطة العلاجية بالكامل، مما انعكس بشكل مباشر على تحسن قوة العضلات ودرجة الوعي للمريضة بعد جلسة العلاج الثالثة.
بعد الجلسة الخامسة لفصل البلازما، لوحظ تحسن ملحوظ في حالة المريضة، تم خلاله محاولة فصلها من جهاز التنفس الصناعي، واستبداله بجهاز CPAP لتدعيم التنفس. واستمر الفريق الطبي في مراقبة جميع المؤشرات الحيوية عن كثب، مع تقديم الرعاية العلاجية والدعم النفسي للمريضة. وقد أكدت هذه المرحلة النهائية نجاح خطة العلاج المتكاملة، والتي جمعت بين التكنولوجيا الطبية الحديثة والكفاءات البشرية المتميزة، لتثبت قدرة مستشفى الزقازيق العام على التعامل مع أكثر الحالات الحرجة تعقيدًا.
أكد الدكتور أحمد البيلي وكيل وزارة الصحة بالشرقية أن النجاح لم يكن ليتحقق دون جهود جميع الفرق الطبية، بما في ذلك الدكتور بهاء أبوشعيشع وكيل المديرية، والدكتور شريف شاهين مدير الطب العلاجي، والدكتور إياد درويش مدير إدارة المستشفيات، والدكتور محمد يحيي مدير المستشفى، والدكتور رمضان النمر، والدكتورة مي منير، وكافة الأطباء والممرضين والصيادلة المشاركين. هذا التعاون التخصصي والشامل يعكس الالتزام الكبير لوزارة الصحة والسكان وقياداتها بتحسين جودة الخدمات الطبية ورفع مستوى الرعاية الصحية بالمحافظات.
نجاح مستشفى الزقازيق العام في علاج الفتاة المصابة بأزمة وهن عضلي نادر لم يكن مجرد إنجاز طبي، بل مثال حي على التقدم الكبير الذي حققته منظومة الصحة في مصر في تقديم رعاية متكاملة للحالات الحرجة والمعقدة. هذه الواقعة تؤكد أن الجمع بين الخبرة الطبية والتقنيات الحديثة والتنسيق بين الفرق المختلفة قادر على إنقاذ حياة المرضى، وتعكس التزام وزارة الصحة والسكان والقيادات المحلية بتقديم أفضل مستويات الرعاية الصحية لكل مواطن في كل محافظة، مما يمنح الأمل والثقة في النظام الطبي المصري.