مع أول أنفاس فجر هذا العام، تتنفس المنطقة العربية هواءً ثقيلاً يحمل روائح الماضي الأليم وأمل المستقبل الحاسم. بعد عامين من العدوان الغاشم على غزة وحروب الاستنزاف في السودان واليمن وليبيا، وبعد عقود من الارتهان للخارج، يطل علينا 2026 كصرخة أخيرة لإعادة البناء أو الاستسلام النهائي. في هذا المشهد المعتم، تشع ثلاثة نجوم كبار: مصر والسعودية والأردن، لتشكل مثلث الصمود الأخير والأمل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من كرامة عربية. الشعوب التي سئمت خطابات التنديد الفارغة، والتي رأت بأم عينيها كيف تحولت بعض العواصم إلى أدوات في أيدي أعدائها، ترفع اليوم أصواتها نحو القاهرة والرياض وعمان. إنها لحظة تاريخية لا تحتمل التأويل: فإما تحالف سيادة حقيقي، أو انزلاق إلى الهاوية.
التحالف الثلاثي: ضرورة وجودية لا ترف سياسي
لم يعد خافياً على ذي بصيرة أن المنطقة العربية تواجه مخططاً وجودياً يهدف إلى تحويلها إلى جزر منفصلة ضعيفة، تدور في فلك القوى الكبرى والمشروع الصهيوني التوسعي. لقد كشفت الأحداث منذ 2023 أن الاعتماد على الحماية الخارجية هو وهم قاتل، وأن الأمن العربي مسؤولية عربية بحتة. هنا تبرز الحكمة السياسية والوزن الاستراتيجي للثلاثي المصري والسعودي والأردني، الذين شكلوا خلال الأزمات الأخيرة خط دفاع متيناً ضد الفوضى. هذا التحالف ليس اختياراً، بل هو ضرورة حتمية لموازنة القوى الدولية في المنطقة، وفرض منطق المصالح العربية العليا فوق كل الاعتبارات. إنها مسؤولية شرعية أمام الله والتاريخ، وأمام شعوب تنتظر فعلاً يجعل من عام 2026 نقطة تحول حقيقية، لا مجرد رقم جديد على التقويم.
إعادة هندسة “بيت العرب”: من الندب إلى الفعل
لطالما كانت جامعة الدول العربية رمزاً للعجز العربي المؤسسي، حيث تحولت من “بيت العرب” إلى قاعة للخطابات والبيانات التي تذهب أدراج الرياح. المطلوب اليوم، بقيادة الثلاثي القائد، هو ثورة إدارية وجراحية في بنية الجامعة. يجب أن ينتهي عصر الإجماع المعطل، ويبدأ عصر الأغلبية الفاعلة. إنشاء مجلس أمن عربي دائم بصلاحيات تنفيذية، وتفعيل قوة ردع عربية سريعة التدخل، وإعادة الاعتبار لمحكمة العدل العربية، كلها خطوات لا غنى عنها. يجب أن يصبح قرار الجامعة نافذاً، وقادراً على فرض حلول عربية لأزماتنا في السودان واليمن وليبيا، بعيداً عن الوصاية الدولية التي تستغل دماءنا وثرواتنا. إنها معركة إرادات، والشعوب تنتظر أن تتحول جامعة الدول العربية من متحف للخطابات إلى قلعة للقرار.
حسم الملفات الداخلية: بين الدبلوماسية الحاسمة والقوة الرادعة
لا يمكن لأي تحالفات خارجية أن تنجح طالما النزيف الداخلي مستمر. لقد استنزفت حروب السودان واليمن وليبيا طاقات الأمة، وجعلتها فريسة سهلة للتدخلات الأجنبية. هنا يأتي دور التحالف الثلاثي في فرض “خارطة طريق عربية” حاسمة، تعطي مهلة قصيرة للأطراف المتحاربة للتفاوض تحت مظلة عربية خالصة. إذا فشلت الدبلوماسية، فلا بد من خيار القوة العربية المشتركة لحماية مؤسسات الدولة ووقف نزيف الدم. يجب أن تكون الرسالة واضحة: لن نسمح بتقسيم السودان، ولا باستمرار الحرب في اليمن، ولا بتفتيت ليبيا. السيادة العربية تبدأ من قدرة العرب على حل مشاكلهم بأنفسهم، دون انتظار مبادرات واشنطن أو جنيف التي تخدم في النهاية أجندات أخرى.
المواجهة مع الخارج: رفض التبعية وفرض الندية
لقد آن الأوان لكسر قيود التبعية للقرار الأمريكي الذي لم يجلب لنا سوى الدمار، وللمشروع الصهيوني الذي يتربص بأرضنا ومقدساتنا. تحالف القاهرة والرياض وعمان يجب أن يعلن بوضوح: نحن قطبيتنا مستقلة، نتعامل مع واشنطن وموسكو وبكين على قاعدة المصالح المتبادلة والاحترام، لا الخضوع. يجب أن يتصدى هذا التحالف لأي مخطط تفتيتي، كالمؤامرة الخبيثة على وحدة الصومال عبر الاعتراف الإسرائيلي المزعوم بـ”أرض الصومال”. أي اعتداء على سيادة دولة عربية هو اعتداء على التحالف ككل، وسيواجه برد منسق وسريع. كما أن حماية الممرات المائية الحيوية كقناة السويس والبحر الأحمر هي خط أحمر، وهي أساس الأمن الاقتصادي والغذائي المشترك الذي يجب أن نبنيه بعيداً عن الابتزاز الدولي.
العهد مع الشعوب: الشفافية والشراكة
قوة أي تحاف تقاس بمدى تأييد شعوب له. لقد أثبت المواطن العربي في السنوات الأخيرة أنه قادر على فرز الصديق من العدو، ورفض التضليل الإعلامي. لذلك، يجب أن يقوم هذا التحالف على عقد جديد من الشفافية مع الشعوب، وإطلاعها على تفاصيل القرارات المصيرية، وجعلها شريكاً حقيقياً في صناعة المستقبل. إن شرعية القادة اليوم مستمدة من إرادة الشعوب التي ترفض الاستمرار في دور التابع أو الوقود لحروب الآخرين. تحالف السيادة يجب أن يكون تحريراً للإرادة الشعبية أولاً، قبل أن يكون ترتيباً للأوضاع الجيوسياسية.
تكامل القوة: جغرافيا مصر، وعمق السعودية، وحنكة الأردن
كما أن حماية الممرات المائية الحيوية كقناة السويس والبحر الأحمر هي خط أحمر، وهي أساس الأمن الاقتصادي والغذائي المشترك الذي يجب أن نبنيه بعيداً عن الابتزاز الدولي. إن قوة هذا التحالف المصيري ومبرر نجاحه لا يكمن فقط في إرادة قادته، بل في التكامل الفطري الاستراتيجي الذي وهبه الله لهذه الأمة والذي يجسده هذا الثلاثي؛ فمصر بجيشها العظيم وثقلها البشري وجغرافيتها التي تمسك بمفاتيح التجارة العالمية، والسعودية بمكانتها الروحية ووزنها الاقتصادي العالمي ودورها القيادي في العالم الإسلامي، والأردن بحنكته السياسية العميقة ودوره المحوري كحارس للمقدسات وصمام أمان للمنطقة. هؤلاء الثلاثة لا يشكلون مجرد تحالف سياسي مؤقت، بل يمثلون ‘الكتلة الحرجة’ التي إذا التحمت، انحنى لها التاريخ، وتراجعت أمامها أطماع الإمارات. إنها معادلة السيادة التي لا تقبل القسمة، والدرع المتين الذي سيتحطم عليه نصل كل مؤامرة تستهدف تمزيق الجسد العربي.
2026.. عام السيادة أو الهاوية
وختامًا: ها هو عام 2026 يطل علينا كصفحة بيضاء، لكنها قد تكون الأخيرة قبل أن تُطوى صحائف السيادة العربية إلى الأبد. أمام قادة القاهرة والرياض وعمان تقع مسؤولية تاريخية لا تحتمل التردد: إما أن يكتبوا فصلاً جديداً في سجل الأمة بعنوان “صحوة السيادة”، أو يسجلوا أنفسهم كحُماة أخيرين لعهد التبعية الذي أوصلنا إلى هذا الحضيض. الشعوب التي تنزف في الخرطوم وصنعاء وطرابلس وغزة، وتترقب بقلق ما يُحاك لمقديشو ودمشق وبغداد، ترفع اليوم أكف الدعاء والتوسل نحو عواصمكم. ليكن عام 2026 عام القرار الحاسم: قرار تحالف السيادة الثلاثي، قرار إعادة بناء “بيت العرب”، قرار مواجهة مخططات التفتيت بصوت عالٍ واحد. إنها معركة الوجود، والوجود لا يقبل التفاوض. فإما أن نكون، أو لا نكون. والوقت يدق، والقادم أعظم.