عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة فارقة تختصر معنى أن تكون الدولة منحازة لحق الإنسان في الحياة، افتتح الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان، وحدة السكتة الدماغية الشاملة بمستشفى العاصمة الجديدة، ليعلن بداية مرحلة أكثر تقدمًا في مواجهة أحد أخطر أسباب الوفاة والإعاقة حول العالم. لم يكن الافتتاح مجرد قص شريط أو جولة تفقدية، بل كان إعلانًا صريحًا بأن “الدقائق الذهبية” لم تعد تُهدر، وأن الاستجابة الطبية العاجلة أصبحت منظومة متكاملة تتحرك بدقة وسرعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هنا، تتحول الرؤية إلى واقع، ويتحول التخطيط إلى حياة تُسترد من حافة الخطر.

ما يميز هذه الوحدة ليس حداثة مبناها فحسب، بل مكانتها الدولية التي سبقت افتتاحها الرسمي بحصولها على التصنيف الماسي (Diamond Status) من المنظمة العالمية للسكتة الدماغية، وهو أعلى اعتماد يُمنح لمراكز التميز في هذا التخصص الدقيق. هذا الاعتراف العالمي لا يُمنح إلا لمن استوفى معايير صارمة في سرعة التشخيص، وكفاءة التدخل، ودقة البروتوكولات العلاجية. وبذلك، تدخل المنظومة الصحية المصرية نادي الكبار في علاج السكتة الدماغية، وتؤكد أن معاييرها لم تعد محلية الطموح، بل دولية المقاييس.
الافتتاح يأتي في سياق تنفيذ الشبكة القومية للسكتة الدماغية، المشروع الوطني الاستراتيجي الذي يستهدف تحقيق تغطية عادلة وشاملة في جميع المحافظات. ومع وصول عدد الوحدات الحالية إلى 175 وحدة ما بين أولية وشاملة، تتوزع بين وزارة الصحة والجامعات والقطاع الخاص وجهات سيادية، يتضح حجم التحول الجاري. ورغم أن الفجوة القومية لا تزال قائمة، فإن تحديد هدف الوصول إلى 265 وحدة يمثل خريطة طريق واضحة لتقليص المسافات الصحية بين العاصمة والأقاليم، وبين الوجهين البحري والقبلي، وصولًا إلى المحافظات الحدودية التي طالما احتاجت إلى خدمات متخصصة عاجلة.
قيمة الوحدة الجديدة تكمن أيضًا في تكامل مسارها العلاجي؛ فالمريض لا ينتقل بين أقسام متباعدة أو إجراءات مشتتة، بل يسير في منظومة مترابطة تبدأ من الطوارئ مرورًا بالأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي، وصولًا إلى سرير حقن مذيبات الجلطات (RTPA) ووحدة القسطرة المخية، ثم إعادة التأهيل والعلاج الطبيعي. هذا التكامل يعني اختصار الزمن، والزمن في حالات السكتة الدماغية يساوي خلايا عصبية تُنقذ أو تُفقد إلى الأبد. إنها معادلة دقيقة بين سرعة القرار وجودة التنفيذ، تحسم الفارق بين التعافي والإعاقة.
ولم يكن المشهد بروتوكوليًا باردًا؛ فقد حرص الوزير على تفقد أقسام الطوارئ والإنعاش، والتحاور مع المرضى، والتشديد على الصيانة الدورية للأجهزة، وربط خدمات علاج السكتة الدماغية بخط ساخن أو تطبيق إلكتروني لتسريع الاستجابة. هذه التفاصيل تعكس إدراكًا بأن التطوير لا يتوقف عند البناء، بل يمتد إلى الاستدامة والمتابعة والتقييم المستمر. فالمؤسسة الطبية الناجحة لا تُقاس بجمال جدرانها، بل بقدرتها على العمل بكفاءة في أصعب اللحظات وأكثرها حساسية.
كما أن توجيه التوسع نحو محافظات الصعيد شمالًا وجنوبًا ووسطًا يحمل بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا بالغ الأهمية. فالعدالة الصحية لم تعد شعارًا، بل التزامًا يتطلب توزيعًا جغرافيًا مدروسًا يضمن ألا يكون موقع السكن عاملًا حاسمًا في مصير المريض. ومع اعتماد عشرات المراكز وفق معايير قومية واضحة، وإعداد دليل علاجي متكامل يشمل بروتوكولات العلاج ومسار المريض من الطوارئ حتى المتابعة، تتبلور منظومة تعتمد على العلم لا الاجتهاد الفردي، وعلى التخطيط لا رد الفعل.
إن افتتاح وحدة السكتة الدماغية الشاملة بمستشفى العاصمة الجديدة ليس حدثًا عابرًا في أجندة رسمية، بل رسالة طمأنة لكل أسرة مصرية بأن معركة الحياة تُدار بعلم وإرادة واستثمار حقيقي في الإنسان. إنها خطوة تؤكد أن الجمهورية الجديدة لا تُبنى بالخرسانة وحدها، بل ببناء منظومة صحية قادرة على حماية أغلى ما نملك: صحتنا وأعمارنا. وفي كل مريض يستعيد وعيه، وفي كل أسرة تُنقذ من مأساة دائمة، يتجسد المعنى الحقيقي لهذا المشروع… أن الحياة، حين تُمنح لها الفرصة، تنتصر.