حين تتحرر الإرادة من عبودية «الحماية المستأجرة»
في زمنٍ لم تعد فيه الخرائط تُرسم بحبر الدبلوماسية المستأجرة، بل بدماء الشعوب التي تُقايض أمنها بأوهام “الحماية”، وفي وقتٍ سقطت فيه “بهلوانية ترامب” أمام الإدراك الخليجي المتصاعد، لم يعد الصمت حياداً، بل أصبح “تواطؤاً إدراكياً”. اليوم، يقف نبيل أبوالياسين، المؤطر للخطاب العربي والدولي، بـ “صك السيادة الذاتية” ليطرح السؤال الوجودي الذي تخشاه مراكز “طبقة إبستين”: إلى متى تظل الأرواح المعلقة في رقبة القرار الخليجي رهينةً لـ “منصات استهداف” تسمى زوراً قواعد عسكرية؟. إن الحقيقة التي لم تعد تحتمل المواربة هي أن “التراب الخليجي” يئن تحت وطأة أنشطة أمريكية تحولت من دروع واقية إلى مغناطيس للدمار الشامل، مما يفرض “فطاماً سيادياً” فورياً يقطع حبل الوريد عن “الحماية المستأجرة” التي فضحها ترامب بغبائه الاستراتيجي.
«الارتطام الترامبي».. وهم الشرق الأوسط الجديد يصطدم بصخرة الواقع
أكد نبيل أبوالياسين أن الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران لن تصنع “شرقاً أوسط جديداً”، بل قد تخلف فوضى أوسع، مشيراً إلى أن إسقاط النظام الإيراني لا يضمن بديلاً مستقراً، كما لن ينهي صراعات المنطقة أو نفوذ الجماعات المسلحة، بل قد يفاقم العداء لواشنطن ويزيد اضطراب النظام الدولي. وأوضح أبوالياسين أن إدارة ترمب تبني تصوراتها لما بعد الحرب على قدر كبير من التفاؤل الواهم، إذ أصرت على أن التدهور المستمر للقيادة الإيرانية وقدراتها العسكرية سيضعف النظام بما يكفي ليتمكن الشعب الإيراني من القيام بانتفاضة و”تولي زمام الحكم”. ولفت أبوالياسين إلى أن هذا السيناريو غير واقعي، مستشهداً باعتراف ترمب نفسه بأن “معظم من كنا نضعهم في اعتبارنا كقادة محتملين جدد قد لقوا حتفهم”. وأشار إلى أن إيران ليست فنزويلا، وليس فيها شخصية تنتظر الفرصة لتنفيذ أوامر واشنطن، وأن أي فراغ سياسي قد يجر البلاد إلى فترة طويلة من الفوضى والعنف، مما سينعكس سلباً على المنطقة بأكملها.
روسيا والصين.. قراءة في المشهد من خارج «طبقة إبستين»
لفت أبوالياسين إلى الموقف الروسي الذي كشف عن خداع واشنطن، حيث قال مسؤولون روس: “من الواضح أن تلك المحادثات كانت مجرد خدعة، وأن الولايات المتحدة كانت تنوي مهاجمة إيران منذ البداية، مما يدل على أنه لا يمكن الوثوق بواشنطن”. وأضاف أبوالياسين أن هذا التصريح يؤكد أن العالم لم يعد يقبل بمنطق “القطب الواحد”، وأن موسكو وبكين تقرعان طبول نظام جديد لا مكان فيه لهيمنة “طبقة إبستين”. وأشار إلى أن وزير الخارجية الصيني وانغ يي أكد أن الحرب في الشرق الأوسط “ما كان يجب أن تحدث”، رافضاً العودة إلى “قانون الغاب”. وأوضح أبوالياسين أن الصين، التي ترى مصالحها في المنطقة مهددة، قد تكون مستعدة للتحرك إذا استمر التصعيد، خاصة أن الحرب تهدد مبادرة “الحزام والطريق” التي تمر عبر العالم العربي، وتخلق اضطرابات في إمدادات النفط التي تعتمد عليها بكين.
اعترافات مدوية.. قصف المدارس وكشف زيف «مغتصبي الأطفال»
أدان أبوالياسين بشدة القصف الأمريكي-الإسرائيلي الذي استهدف مدرسة للأطفال في إيران، مما أدى إلى مقتل أكثر من 165 طفلاً. وقال: “حين تقصف قوة عظمى دفاتر التلاميذ، فاعلم أن شيئاً في ضمير البشرية قد مات”. وذكر أبوالياسين أن الجيش الأمريكي اعترف بقصف المدرسة، في مشهد كشف عن وحشية “طبقة إبستين” التي تغتصب الأطفال في عقر دارها ثم تقصفهم في مدارسهم. وأشار إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين زعمتا أن مشكلتهما مع النظام الإيراني وأنهما ستجلبان الحرية للشعب الإيراني، بدأتا بتدمير البنية التحتية والاقتصادية الإيرانية، بما في ذلك مستودعات النفط والمحروقات ومحطات المياه التي تخدم المدنيين. وطالب أبوالياسين بإدانة هذه الجرائم من جميع دول العالم شعوباً وحكومات، واجبة إنسانياً بغض النظر عن الخلاف مع النظام الإيراني.
تحذير أخير للخليج.. «تصفير القواعد» قبل فوات الأوان
جدد أبوالياسين تحذيره لدول الخليج من مخططات “طبقة إبستين” الرامية إلى زجها في الحرب. وأوضح أن الهدف الحقيقي هو أن تتحول دول الخليج من طرف في الصراع إلى تاجر سلاح يبيع السلاح للطرفين، مما يستنزف مواردها الاقتصادية ومقدراتها في حرب عبثية هدفها إسقاط الطرفين معاً. وأشاد أبوالياسين بالموقف السعودي الحكيم، مشيراً إلى تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي أكد أنه على اتصال دائم بنظيره السعودي، وأن المسؤولين السعوديين ملتزمون تماماً بعدم السماح باستخدام أراضيهم ضد إيران. وأكد أبوالياسين أن استمرار وجود القواعد الأمريكية في المنطقة لن يجلب سوى انعدام الأمن، داعياً إلى “تصفير القواعد” كخيار سيادي لا رجعة فيه، قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة لـ “الارتطام الترامبي” الذي سيدفع الجميع ثمنه.
«تصفير القواعد».. «فطام السيادة» الذي يخشاه «مغتصبو الأطفال»
وفي هذا السياق، يؤكد نبيل أبوالياسين أن تصريحات ترامب التحريضية الأخيرة، التي حاول فيها استغلال اعتذار إيران لتصويره على أنه “استسلام”، لم تكن سوى محاولة يائسة لإشعال المنطقة ودفع الخليج إلى مستنقع الحرب. ويلفت أبوالياسين إلى أن الرد الإيراني، على لسان الرئيس بزشكيان، كان حاسماً وواضحاً: “العدو يريد أن نكون في حرب مع الدول الإسلامية، وأن يخلق خلافات بيننا وبين قيادة المنطقة”. ويشير أبوالياسين إلى أن تأكيد بزشكيان على أن إيران “تأسف فقط إذا شعر الناس في المنطقة بالقلق” وأنهم “إخوتنا”، هو دليل إضافي على أن طهران تدرك أن «طبقة إبستين» تسعى لتحويل الصراع إلى حرب عربية-إيرانية. ويحذر أبوالياسين من أن هجمات «مغتصبي الأطفال» على مرافق تخزين الوقود الإيراني لا تقل عن كونها “حرباً كيميائية متعمدة”، قد تدفع طهران إلى استهداف مخازن الوقود في الدول التي تدعم واشنطن، مما سيجُر الخليج قسراً إلى حرب ليست حربهم. هنا، يتأكد للجميع أن «تصفير القواعد» ليس مجرد شعار، بل هو «فطام السيادة» الذي يقطع الطريق على مخططات النخبة المنحلة التي تريد تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية حساباتها.
اجتماع الجامعة العربية.. بين اختبار الوعي واستحقاق «فطام السيادة»
أشار أبوالياسين إلى أن اجتماع مجلس الجامعة العربية اليوم يشكل اختباراً حقيقياً للوعي العربي الجماعي. ودعا إلى أن يرتقي الاجتماع إلى مستوى المسؤولية بالإعداد للتعامل مع التطورات الخطيرة التي تتعرض لها المنطقة بأسرها، ونتائجها المستقبلية التي ستخلق مرحلة عدم استقرار إقليمي شامل وممتد. وأكد أبوالياسين أن تغيير الشرق الأوسط وإخضاع العالم العربي هو عنوان مهم للمرحلة يجب الاستعداد له، وتقديم طرح بديل، وإلا فلا جدوى من أي عمل عربي مشترك. ولفت إلى أن الحرب الحالية ليست مجرد مغامرة إسرائيلية نجح نتنياهو في جر الولايات المتحدة إليها، بل هي تحرك أمريكي استراتيجي مخطط وظفت فيه واشنطن إسرائيل كشريك إقليمي، في خطوة رئيسية نحو تغيير الشرق الأوسط (بما فيه العالم العربي) إلى وضع جيوسياسي إقليمي تحاول إسرائيل قيادته.
«فطام السيادة» ليس خياراً بل ضرورة وجودية
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي برسالة نارية إلى العواصم الخليجية والعربية، مؤكداً أن “فطام السيادة” لم يعد ترفاً فكرياً أو خياراً استراتيجياً، بل أصبح ضرورة وجودية تفرضها الحقائق الدامية على الأرض. لقد فضح ترامب بغبائه السياسي زيف “الحماية المستأجرة”، وأظهرت الأيام أن القواعد الأمريكية ليست دروعاً واقية بل منصات استهداف تجلب الدمار. إن “تصفير القواعد” هو القرار السيادي الذي ينتظره التاريخ من قادة الخليج، ليؤكدوا أن المنطقة لم تعد ساحة لتصفية حسابات “طبقة إبستين”. وأشار أبوالياسين إلى أن إيران، رغم كل شيء، أبدت استعدادها للحوار مع جيرانها، وأكدت أن وجود القواعد الأمريكية هو مصدر انعدام الأمن. واختتم: “نحن أمام مفترق طرق: إما أن نستمر في الرضاعة من ثدي “الحماية المستأجرة” حتى يرتطم بنا القطار الترامبي، أو أن نقرر “فطام السيادة” اليوم، ونبني مع مصر والثألوث العربي نظام أمن إقليمي يعيد للمنطقة كرامتها واستقرارها. فهل يسمع القادة هذا النداء قبل فوات الأوان؟”.