عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة فارقة من تاريخ الطب المصري، أعلنت وزارة الصحة والسكان عن إنجاز علمي يُعيد تعريف مفهوم الرعاية الصحية في مصر، بعد نجاح مشروع «جينوم مصر 1K» في فك الشفرة الوراثية للمصريين. هذا الإنجاز لا يمثل فقط تقدمًا بحثيًا، بل يُعد بوابة عبور إلى عصر الطب الدقيق، حيث يصبح العلاج مصممًا خصيصًا لكل مريض وفق تركيبته الجينية، في تحول جذري يضع مصر في مصاف الدول الرائدة عالميًا في علوم الجينوم.
أكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن مشروع «EGP1K» يُعد أول مشروع وطني شامل لتسلسل الجينوم الكامل لـ 1024 مواطن مصري من 21 محافظة، وهو ما يعكس التنوع الجغرافي والوراثي للمجتمع المصري. وأوضح أن هذا المشروع يمثل خطوة استراتيجية نحو بناء قاعدة بيانات جينية دقيقة، تُمكّن الدولة من تطوير سياسات صحية قائمة على الأدلة العلمية، بدلًا من الاعتماد على نماذج خارجية قد لا تعكس الخصوصية الوراثية للمصريين.
وأشار عبدالغفار إلى أن المشروع قاده فريق بحثي مصري رفيع المستوى بقيادة الدكتور خالد عامر من مركز مصر للبحوث والطب التجديدي، بالتعاون مع الدكتور أحمد مصطفى من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبمشاركة أكثر من 30 باحثًا مصريًا. ويأتي هذا التعاون ضمن إطار «مصر جينوم كونسورتيوم»، الذي يمثل نموذجًا متكاملًا لتضافر الجهود البحثية الوطنية، ويؤكد قدرة العقول المصرية على تحقيق إنجازات علمية تضاهي كبرى الدول.
وأضاف أن المشروع حظي بدعم مؤسسي واسع، حيث شاركت فيه جهات متعددة، من بينها وزارة الصحة والسكان، ومركز مصر للبحوث والطب التجديدي، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكلية الطب للقوات المسلحة، والمركز القومي للبحوث بجامعة القاهرة، وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بجامعة حلوان، وجامعة النيل. وقد تم جمع العينات من مختلف الأقاليم المصرية، فيما أُجريت التحليلات داخل مراكز متطورة بالقاهرة، بما يضمن أعلى درجات الدقة والموثوقية.
وكشف عبدالغفار أن المشروع أسفر عن إنتاج أكبر قاعدة بيانات جينية مصرية في التاريخ، حيث تم رصد أكثر من 51 مليون تغيير جيني، من بينها 17 مليون تغيير جديد لم يتم تسجيله عالميًا من قبل. ويُعد هذا الكشف العلمي ثروة قومية، تفتح آفاقًا واسعة لفهم طبيعة الأمراض الوراثية المنتشرة في مصر، وتُسهم في تطوير أدوية وعلاجات موجهة تعتمد على الخصائص الجينية الفريدة للمصريين.
وأوضح أن نتائج المشروع أثبتت عدم دقة أدوات تقييم المخاطر الجينية الأوروبية عند تطبيقها على المصريين، حيث صنفت هذه الأدوات نسبًا كبيرة من المواطنين ضمن فئات عالية الخطورة بشكل غير واقعي. ويؤكد ذلك ضرورة الاعتماد على بيانات محلية دقيقة، وهو ما يوفره مشروع «EGP1K»، الذي يتيح تطوير اختبارات مخاطر جينية مصرية خالصة، تساعد الأطباء في تقديم تشخيص دقيق وعلاج مناسب لكل حالة، وفقًا لتركيبتها الجينية.
وأشار عبدالغفار إلى أن المشروع مكّن من تحديد معدلات انتشار الجينات المرضية بدقة غير مسبوقة، مثل جين الحمى المتوسطية العائلية، الذي يحمله نحو 9.1% من المصريين، ما يسمح بوضع خطط وقائية وعلاجية مبكرة. كما يُسهم هذا التقدم في تقليل الأعباء الاقتصادية على الدولة، من خلال الوقاية المبكرة وتوجيه العلاج بشكل أكثر كفاءة، بما يحقق أفضل النتائج الصحية بأقل تكلفة ممكنة.
في ضوء هذا الإنجاز التاريخي، أكد الدكتور حسام عبدالغفار أن مشروع «جينوم مصر 1K» يمثل حجر الأساس لمستقبل صحي جديد، قائم على العلم والدقة والتخصيص. ومع امتلاك مصر لخريطتها الجينية، تدخل الدولة مرحلة متقدمة من الطب الحديث، حيث يتحول العلاج من نمط عام إلى نهج فردي دقيق، يضع صحة المواطن في قلب الاهتمام، ويؤسس لنظام صحي أكثر تطورًا وعدالة واستدامة.