ألا يستحقّ المرء أن يعيش في سلام وسط هذه الفوضى التي تبتلع المعنى وتعيد تدويره كضجيجٍ بلا روح؟ لم يعد العالم مجرد مكانٍ مضطرب، بل صار أقرب إلى حضيرةٍ كبيرة، يُقاس فيها الإنسان بمدى انصياعه لا بفرادته، وبقدرته على التكرار لا بقدرته على التفكير. هنا، الصوت الأعلى هو المنتصر، لا الأصدق، والوجوه التي تتقن التلوّن تُكافأ أكثر من تلك التي تجرؤ على الثبات. في مثل هذا المناخ، يصبح السلام تهمة، والسكينة علامة ضعف، وكأن الطمأنينة خروجٌ عن النص العام الذي كُتب ليُبقي الجميع في حالة ارتباك دائم.
وسط هذا كله، يتسلل سؤال بسيط لكنه مُربك: ألا يمكن للإنسان أن ينزوي قليلًا؟ أن يختار غابةً لا وحوش فيها؟ لكن الحقيقة التي نتهرّب منها أن الوحوش لم تعد في الغابات، بل صارت أكثر تهذيبًا، أكثر أناقة، تسكن الكلمات القاسية، والوعود الكاذبة، والعلاقات التي تُستنزف فيها الروح ببطءٍ قاتل. لم نعد نخاف من الأماكن، بل من البشر حين يتقنون إيذاء بعضهم دون أن يتركوا أثرًا واضحًا.
لقد تشقّقت الجدران طويلًا، ليس جدران البيوت، بل جدران الداخل. تلك التي كانت تحمينا من الانهيار، فصارت اليوم شاهدةً عليه. كل خيبةٍ حفرت أثرها، كل خذلانٍ ترك صدعًا، حتى أصبح الإنسان يبدو متماسكًا من الخارج، بينما يتداعى بصمتٍ من الداخل. وهنا يرتفع النداء، لا كاحتجاج، بل كرجاءٍ متعب: ألم يحن الوقت يا الله كي تُضمّد هذه الجراح؟ لكن الإجابة، وإن كانت مؤلمة، تبدأ منّا قبل أن تصعد إلى السماء؛ تبدأ حين نكفّ عن إيذاء بعضنا، وحين نتوقّف عن تبرير القسوة باعتبارها ضرورةً أو طبيعة حياة.
المؤلم أكثر أن الإنسان لم يعد يطلب الكثير، لم يعد يحلم بالمثالية، بل فقط بالحد الأدنى من الإنسانية: كلمة صادقة لا تحمل وجهين، موقف لا يتغيّر بتغيّر المصالح، وقلب لا يتاجر بالمشاعر. ومع ذلك، صار هذا القليل نادرًا، كأن البساطة نفسها أصبحت عبئًا في عالمٍ يعشق التعقيد المصطنع.
السلام، في حقيقته، ليس انسحابًا من العالم ولا هروبًا من قسوته، بل مقاومة هادئة ضد كل ما يحاول أن يُشوّه إنسانيتنا. هو أن تظلّ صادقًا في زمن الزيف، وأن تحافظ على نقائك رغم كل ما يدعوك إلى التلوّث، وأن تختار أن تكون نفسك حتى لو كلفك ذلك عزلةً مؤقتة. ليس السلام أن تهرب إلى غابة، بل أن تخلق داخلك مساحةً لا يصل إليها ضجيج القطيع، مساحةً تعرف فيها من أنت، ولماذا تقاوم، ولأجل ماذا تستمر.
قد لا يتغيّر العالم سريعًا، وربما تظل الحضيرة قائمة بكل ما فيها من ضوضاء، لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها أن السلام ليس شيئًا يُمنح، بل يُنتزع من قلب الفوضى، وأن الإنسان، في النهاية، لا يُقاس بقدرته على التكيّف مع القبح، بل بقدرته على أن يظلّ إنسانًا رغم كل شيء.