في القاعة رقم 15 بـكلية الإعلام جامعة القاهرة، حيث تختلط رهبة العلم بشغف البدايات، لا يزال صدى ذلك الحوار عالقا في الذاكرة كأنه لم يمض عليه زمن، كنا نجلس في محاضرة للمرحوم الدكتور فاروق أبو زيد عميد الكلية الأسبق، نستمع إليه لا باعتباره أستاذا فحسب، بل صاحب تجربة ورؤية.
في لحظة بدت عابرة لكنها عميقة الأثر، دار بيني وبينه حوار قصير أعاد تعريف معنى الصحافة في ذهني، لم يكن الحديث عن الخبر أو السبق، بل عن الضمير، عن تلك المسافة الدقيقة بين أن تكتب ما يقال، وأن تكتب ما يجب أن يقال، يومها لم يكن يلقننا درسا بقدر ما كان يضعنا أمام سؤال حاسم، أي صحفي تريد أن تكون؟
هذا السؤال الذي طرحه الدكتور فاروق أبو زيد لم يكن مجرد لحظة تعليمية عابرة، بل كان مدخلا لفهم أعمق لقيمة الكلمة ومسؤولية الإعلام، وهو المعنى الذي يتجدد اليوم ونحن نحتفي بـاليوم العالمي لحرية الصحافة، حيث تصبح الإجابة عن هذا السؤال أكثر إلحاحا في ظل ما يشهده العالم من تحديات إعلامية متسارعة.
فى 3 مايو من كل عام، يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة ليجدد التذكير بقيمة الكلمة الحرة، ومسؤولية من يحملون أمانتها في تشكيل وعي المجتمعات وصياغة ملامح المستقبل، فحرية الصحافة لم تكن يوما مجرد حق مهني، بل كانت دائما ركيزة أساسية من ركائز بناء الدول الحديثة، وضمانة لحيوية المجال العام، وصمام أمان في مواجهة التضليل والشائعات.
غير أن الحرية، في جوهرها، لا تنفصل عن المسؤولية، فالكلمة الصادقة هي أساس الثقة بين وسائل الإعلام والجمهور، وهي العمود الفقري لمهنة الصحافة، وعندما تغيب الدقة أو تتراجع الموضوعية، يفقد الإعلام دوره الحقيقي.
لقد باتت التحديات التي تواجه العمل الصحفي أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، فبين سباق السرعة في نقل الخبر، وضغوط المنافسة، وانتشار الأخبار الزائفة، يجد الصحفي نفسه أمام اختبار يومي لضميره المهني، وهنا يبرز الدور المحوري للالتزام بـميثاق الشرف الصحفي، ليس كنصوص جامدة، بل كمنظومة قيم حية تحكم الأداء وتضبط الإيقاع وتضمن احترام الحقيقة وحق الجمهور في المعرفة.
إن الدعوة إلى احترام ميثاق الشرف الصحفي لا تعني تقييد حرية التعبير، بل تهدف إلى صونها من الانحراف وحمايتها من الاستغلال، فالصحافة المسؤولة هي التي توازن بين الحرية والانضباط، بين الجرأة والمهنية، وبين السبق الصحفي والتحقق من المعلومة.
إن الاحتفال بـاليوم العالمي لحرية الصحافة لا يكتمل إلا بتجديد العهد على احترام الكلمة وصون قدسيتها والالتزام بأخلاقيات المهنة، فالإعلام في جوهره رسالة قبل أن يكون مهنة، ومسؤولية قبل أن يكون سلطة، وكلما التزم الصحفي بصدق الكلمة وموضوعية الطرح، ازدادت ثقة الجمهور وتعززت مكانة الإعلام كقوة ناعمة فاعلة في خدمة الوطن.