في كل عصر تواجه الأمم أخطارًا تهدد وجودها، لكن أخطر تلك الأخطار ليست دائمًا جيوشًا تعبر الحدود أو مدافع تدك المدن، بل عقولًا مريضة تسعى إلى هدم الثوابت وزرع الشك في النفوس وتشويه التاريخ والعبث بالمقدسات. فالأمم قد تنهض بعد الحروب، وقد تعيد بناء ما تهدمه المعارك، لكنها إذا فقدت وعيها وهويتها وروحها الحضارية، فإن سقوطها يصبح أشد قسوة وأطول زمنًا.
لقد ابتُليت الأمة في السنوات الأخيرة بأصوات تتخفى خلف شعارات التنوير والحرية الفكرية، بينما حقيقتها ليست سوى معاول هدم تستهدف الدين والتراث والرموز الكبرى التي حفظت للأمة توازنها عبر القرون. تراهم يهاجمون علماء الإسلام الكبار، ويطعنون في الأئمة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدين والعلم، أمثال الإمام الشافعي والإمام البخاري وغيرهما من الأعلام الذين أجمعت الأمة على فضلهم وعلمهم ومكانتهم.
والمثير للعجب أن كثيرًا ممن يرفعون راية التشكيك لا يملكون أدوات العلم الحقيقي، ولا يعرفون من علوم الشريعة إلا عناوين مبتورة يقتطعونها لخدمة أهوائهم وأفكارهم المشوشة. بعضهم لا يُحسن تلاوة القرآن الكريم تلاوة صحيحة، ولا يملك فهمًا راسخًا للغة العربية التي نزل بها الوحي، ومع ذلك يتصدرون المشهد ليشككوا في السنة النبوية، ويطعنوا في كتب الحديث، ويهاجموا علماء الأزهر الشريف الذين تربت أجيال الأمة على أيديهم بمنهج وسطي معتدل.
إن الهجوم المستمر على السنة النبوية ليس أمرًا عابرًا أو مجرد اختلاف فكري، بل هو محاولة واضحة لقطع الصلة بين المسلمين وبين المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم. فالسنة هي التي شرحت الأحكام، وفسرت المجمل، وبيّنت معاني القرآن، ومن دونها يصبح الباب مفتوحًا أمام الفوضى الفكرية والتفسيرات المنحرفة التي تُفرغ الدين من مضمونه الحقيقي.
ومن أخطر ما يفعله دعاة التشكيك أنهم يسعون إلى نزع ثقة الشباب في تراثهم وتاريخهم، فيصورون الحضارة الإسلامية وكأنها تاريخ من الظلام والتخلف، متجاهلين أن الأمة الإسلامية حين تمسكت بدينها كانت منارة للعلم والطب والفلك والهندسة والفلسفة والإنسانية. لقد كانت جامعات المسلمين مقصدًا لطلاب العلم من أنحاء العالم، وكان العلماء المسلمون يضعون أسس الحضارة الحديثة بينما كانت أوروبا تغرق في عصور الجهل والانغلاق.
ولا يمكن فصل هذا الهجوم الفكري عن محاولات القوى المعادية للأمة لإضعافها من الداخل. فحين تفشل الحروب في كسر الشعوب، تبدأ معارك استهداف الهوية والعقيدة والقيم. ومن هنا ظهرت حملات منظمة تسعى إلى تشويه الأزهر الشريف، لأنه ظل عبر مئات السنين حصنًا للاعتدال والفكر الوسطي، وحائط صد أمام الغلو والتطرف والانحلال في آن واحد.
لقد أدرك أعداء الأمة أن الأزهر ليس مجرد مؤسسة تعليمية، بل رمز حضاري وديني يحفظ التوازن الفكري للمجتمع، لذلك كثفوا الهجوم على علمائه وشيوخه، وشككوا في مناهجه، وحاولوا تصوير الوسطية على أنها جمود وتخلف، بينما الحقيقة أن المنهج الأزهري القائم على الاعتدال والفقه الرشيد هو الذي حمى المجتمعات الإسلامية من الانهيار الفكري عبر العصور.
إن أخطر ما يواجه الشباب اليوم ليس الفقر وحده، ولا الأزمات الاقتصادية فقط، بل حالة التيه الفكري التي تصنعها منصات ومجموعات تدفعهم إلى التمرد على الدين والقيم والأسرة والهوية. هؤلاء لا يقدمون مشروعًا حضاريًا حقيقيًا، بل ينشرون الفوضى والعدمية والشك، حتى يصبح الإنسان غريبًا عن تاريخه وأمته ودينه.
لقد فطر الله الإنسان على الإيمان بالحق والخير، وجعل القرآن الكريم نورًا يهدي القلوب والعقول، وسار النبي محمد ﷺ بمنهج الرحمة والعدل والاعتدال، لكن أصحاب الأهواء يريدون اقتلاع هذه الفطرة من النفوس، وتحويل الإنسان إلى كائن بلا مرجعية ولا قيم، تحركه الشهوات والأفكار المنحرفة والدعوات الهدامة.
إن الأمة التي أنجبت العلماء والمصلحين والقادة قادرة على مواجهة حملات التشويه مهما اشتدت، بشرط أن تتمسك بثوابتها، وتحافظ على وعيها، وتعيد الاعتبار للعلم الحقيقي والفكر الرشيد. فالمعركة اليوم ليست معركة سلاح فقط، بل معركة وعي وهوية ووجود، ومن يفرط في تاريخه ودينه وثوابته يفتح الباب لضياع المستقبل كله.
ويبقى الرهان الحقيقي على شباب الأمة؛ فإما أن يكونوا امتدادًا لحضارة عظيمة صنعت المجد بالعلم والإيمان، وإما أن يقعوا فريسة لدعاة الفوضى الفكرية الذين يزينون الباطل بثياب التنوير الزائف، بينما حقيقتهم أنهم يهدمون ما بناه الأجداد عبر قرون طويلة من العلم والجهاد والحضارة.