مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة، تتحول البيوت المصرية إلى ساحات توتر وقلق وضغوط نفسية لا تنتهي، وكأن الأسرة كلها تدخل الامتحان، وليس الطالب وحده.
الأب يعمل ليل نهار، والأم تتحمل فوق طاقتها، ومئات الآلاف من الجنيهات تُنفق على الدروس الخصوصية، فقط من أجل حلم واحد يتكرر في كل بيت: “ابني يدخل طب” أو “بنتي تدخل هندسة”.
لكن السؤال الذي يخشاه الجميع: ماذا لو كانت المشكلة ليست في الثانوية العامة أصلًا؟
ماذا لو كنا نهدر أعمار أولادنا وأموال الأسر في وهم اجتماعي قديم لم يعد مناسبًا للعصر؟
للأسف، المجتمع المصري ما زال يعيش بعقلية “القمة” و”كليات الصفوة”، رغم أن العالم تغيّر بالكامل.
ما زلنا نقسم الطلاب إلى “علمي علوم” لأصحاب المكانة، و”علمي رياضة” للمهندسين، و”أدبي” وكأنه عقاب اجتماعي، بينما الحقيقة أن سوق العمل نفسه لم يعد يعترف بهذه التصنيفات التقليدية.
الدولة تتحدث اليوم عن الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والصناعة، والبرمجيات، والتحول الرقمي، والجامعات التكنولوجية، لكن بعض الأسر ما زالت تفكر بنفس منطق الثمانينيات: “المجموع هو المستقبل”.
والنتيجة؟
آلاف الخريجين يحملون شهادات لا يحتاجها السوق، وشباب يقفون في طوابير البطالة بعد سنوات من الضغط النفسي والدروس والإنفاق.
الأخطر من ذلك أن الدروس الخصوصية تحولت إلى تجارة ضخمة تلتهم دخل الأسرة المصرية بالكامل، حتى أصبح بعض أولياء الأمور يستدينون من أجل “حجز” مكان لابنهم داخل سنتر تعليمي، وكأن مستقبل الطالب أصبح يُباع بالساعة.
وفي المقابل، هناك فرص حقيقية لا يلتفت إليها أحد.
أكثر من 14 جامعة تكنولوجية، ومدارس فنية حديثة، وتخصصات المستقبل التي يبحث عنها العالم، لكن المجتمع ما زال ينظر إليها نظرة أقل، رغم أن كثيرًا من خريجيها يجدون فرص عمل أسرع من أصحاب الشهادات التقليدية.
اليابان لم تصبح قوة عالمية بسبب “كليات القمة”، والصين لم تسيطر على الاقتصاد العالمي بالدروس الخصوصية، وألمانيا لم تبنِ صناعتها بحفظ الملازم.
هذه الدول احترمت التعليم الفني، وربطت التعليم بالإنتاج، وصنعت جيلاً يفكر ويبتكر، لا جيلاً يحفظ فقط من أجل الامتحان.
الحقيقة المؤلمة أن الأزمة ليست في الثانوية العامة وحدها، بل في طريقة تفكير مجتمع كامل ما زال يقيس قيمة الإنسان باسم الكلية، لا بقدراته ومهاراته.
ربما حان الوقت لنفهم أن أولادنا ليسوا مشروع “دكتور” أو “مهندس” فقط… بل مشروع إنسان ناجح، إذا وجد الطريق الصحيح.