جاءت الأنباء الأخيرة من تحركات طائرات الابرار “اليسير” فوق رمال النخيب وبادية النجف لتوجه طعنة غائره فى خاصرة التوازن الاقليميى الهش, لم يكن هذا الاختراق الفاضح مجرد حادث عابر بل أعلن صراحة أن الجغرافيا العراقية قد اقحمت قسرا أو عجزا, فى أتون معركة لم يدرها اصحاب الارض , هذا المشهد يعيد الى الواجهة التساؤل الأزلى والمؤجل من يحمى سماء العراق وأرضه؟ وماهى القيمة الفعلية لاتفاقيات “الاطار الاستراتيجى” والتفاهمات الأمنية مع واشنطن إذا كانت الأجواء تستباح جهارا لتتحول الاراضى العراقية – رغما عن إرادتها السياسية الفعلية – الى منصة انطلاق لضرب دول الجوار وطرفا مباشرا فى صراع المحاور؟
ان الحديث عن مقار سرية ومحطات توجيه فى الصحراء الغربية , ليس مجرد هواجس سياسية بل هو انعكاس لخلل بنيوى خطير فى منظومة الردع والدفاع فالعراق يعانى اليوم من “عقم رادارى ودفاعى” شبه كامل فى الطبقات العليا لجؤه بموجب تفاهمات التواجد الامنى , تفرض الولايات المتحدة الامريكية سيطرة شبه مطلقة على منظومة الرادار والإنذار المبكر بعيد المدى
هذه التبعية التقنية تخلق حالة من العمى التكتيكى المفروض فإذا غطت الرادارات الصديقة الطرف عن تحركات الطائرات الشبحية أو منظومات الحرب الالكترونية المتقدمة تصبح الدفاعات الجوية العراقية مشلولة تماما وعاجزة عن كشف مايدور فى فضائها .
ان خطورة هذا الاختراق لا تتوقف عند حدود الطائرات العملاقة بل تتجاوزها الى ماهو أعمق وأخطر ترك الساحة العراقية مرتعا لتلاعب جهاز ” الموساد ” الاسرائيلى وأجهزة الاستخبارات المعادية هذا التغلغل لا يتحرك فى فراغ بل يستثمر بذكاء فى “المناطق الرمادية” تلك المساحات الجغرافية الفاصلة بين حدود المركز والاقليم وفى عمق الصحارى الممتدة التى تحولت الى بيئة مثالية لزرع محطات التوجيه الرقمى ومراقبة الاتصالات وجمع المعلومات الاستخبارية
الموساد الاسرائيلى لا يتحرك دائما بهويات فجة بل يتسلل خلف واجهات شركات امنية اجنبية أو منظمات مشبوهه مستغلا افتقار البيئة التحتية العراقية للآمن السيبرانى السيادى , هذا التلاعب ينزع عن العراق حيادة المدعى ويظهره امام المجتمع الدولىى بمظهر العاجز أو المتواطىء مما يمنح الذريعة للاطراف الاقليمية المتضررة للرد داخل العمق العراقى لتتحول البلاد مجددا الى ساحة لتصفية الحسابات بالوكالة يدفع ثمنها المواطن من أمنه واستقراره
وهنا يبرز التناقض الصارخ الذى يثير الحيرة والغضب كيف تعجز قوات امنية وعسكرية تقدر بأعدادها المهولة ومليونيتها عن اكتشاف وجود قاعدة اسرائيلية او محطات تجسس على أرضها وتتقاعس عن مواجهتها لدى اكتشافها؟
الاجابة تكمن فى طبيعة تموضع هذه القوات وعقيدتها إن هذه الأعداد الضخمة من الجيش والشرطة والتشكيلات المختلفة هى قوات مدنية كلاسيكية متموضعة فى المدن والمنافذ والمحاور السكنية ومثقلة بمهام الامن الداخلى ومكافحة الارهاب المحلى فى المقابل تمتد بادية النجف ورمال النخيب كجغرافيا شاسعة وقاسية
إن السيطرة على هذه الصحراء المترامية وحمايتها من الاختراق الاستخبارى لا تحتاج الى فيالق بشرية تتكدس خلف السيطرات ونقاط التفتيش بل تتطلب تكنولوجيا مراقبة حديثة واجهزة استخبارات مضادة قادرة على خوض حروب الجيل الخامس وبدون هذه الأدوات التكنولوجية والسيبرانية يظل التضخم العددى مجرد استعراض مفرغ من القدرة على الردع
أما الوجه الاخر للازمة فيتجلى فى السؤال الأكثر مرارة ماذا لو علم بالاختراق ولم يحرك ساكن ؟
إن التقاعس عن المواجهة يعكس حالة الشلل العقيم فى مراكز القرار العسكرى والسياسى والمخاوف المزمنة من الصدام المباشر مع قوى دولية كبرى فى ظل غطاء سياسى رسمى هش
المؤسسة العسكرية مكبلة بقيود الاتفاقيات الدولية وتخشى القيادات أن تؤدى اى مواجهة ميدانية غير محسوبة مع اطراف مدعومة من الخارج الى انتحار سياسى أو عسكرى للحكومة هذا الخوف من الانزلاق الى حرب محاور مفتوحة يدفع بعض مراكز القرار الى تفضيل سياسة الصمت المطبق أو الانكار كنوع من المخرج الدبلوماسى المؤقت ولكنه مخرج يذبح مفهوم السيادة الوطنية من الوريد الى الوريد
ان العبرة المستخلصة من اختراق بادية النخيب والنجف واضحة ولا لبس فيها فى غياب السيادة التقنية (الرادارية) والسيبرانية والارادة السياسية الموحدة تتحول الجيوش المليونية الى مجرد قوات حراسة حدود كلاسيكية, ان السيادة لا تصنع بالشعارات ولا بعدد البنادق الموزعة على الحواجز بل بالقدرة على امتلاك مفاتيح السماء وتطهير الارض من عيون الاعداء وبدون ذلك سيبقى العراق ساحة وممرا لا وطنا مستقرا .