يعيش الشارع الرياضي المصري حالة من الذهول والصدمة عقب الإعلان عن القائمة النهائية للمنتخب الوطني المستدعاة لخوض منافسات كأس العالم 2026 في أمريكا. صدمة لم تأت من فراغ، بل ولدت من رحم مفارقة غريبة وغير مبررة ،مفارقة تضرب بعرض الحائط أبسط قواعد العدالة الكروية، والمنطق الرياضي الذي يربط دائما بين العطاء والتقدير، وبين التتويج بطلا ونيل شرف تمثيل الوطن.
تجاهل الأبطال.. علامة استفهام كبرى
من الغريب، بل ومن الأعجب في عرف كرة القدم، أن تنتهي المسابقات المحلية بحسم نادي الزمالك لدرع الدوري، وتتويج نادي بيراميدز بلقب كأس مصر، فضلاً عن النجاحات القارية للأندية المصرية في إفريقيا، ثم نجد قائمة “الفراعنة” شبه خالية من هؤلاء الأبطال!
كيف يمكن لقرابة ثلاثة لاعبين فقط أن يمثلوا أندية قمة تربعوا على عرش الألقاب المحلية والقارية؟ في المقابل، نجد أن الحصة الأكبر والركيزة الأساسية للقائمة جاءت من فريق لم يتحصل على أي بطولة هذا الموسم، بل قدم أحد أسوأ مستوياته الفنية والبدنية في تاريخه الحديث، وظهرت صفوفه ممزقة بالأزمات الداخلية والمشاكل التي انعكست سلبا على مردود اللاعبين داخل المستطيل الأخضر.
غياب العدالة وتدمير الحافز
إن الإصرار على استدعاء لاعبين بناءا على “الاسم” أو “التاريخ الفني البائد”، مع تجاهل من يجتهد ويعرق ويتوج في الملعب، يطرح سؤالا جوهريا حول استراتيجية الإدارة الفنية للمنتخب: هل يدار الاختيار بالأصول والمقاييس الفنية والبدنية، أم بالمزاج والمصالح الشخصية والعلاقات؟
هذا النهج لا يفسد الحاضر فقط، بل يدمر المستقبل لعدة أسباب:
• قتل روح المنافسة: كيف نطالب اللاعب المحلي بتقديم أقصى ما لديه ليحصل على شرف تمثيل وطنه، وهو يعلم مسبقا أن مقاعد الطائرة المتجهة إلى المونديال “محصنة” و”محجوزة” لأسماء بعينها مهما تراجع مستواها؟
• غياب الجاهزية الفنية والبدنية: الاعتماد على لاعبين يمرون بأسوأ حالاتهم البدنية والذهنية في بطولة بحجم كأس العالم هو انتحار كروي معلن.
• اهتزاز الثقة الجماهيرية: تشعر الجماهير بفجوة حقيقية بين ما تراه على أرض الواقع في الدوري، وبين ما يراه الجهاز الفني في الغرف المغلقة.
المسؤولية الضائعة.. من يراقب المشهد؟
إن ما يحدث اليوم هو مؤشر خطير على انهيار منظومة كرة القدم في مصر؛ منظومة يبدو فيها أنه “لا رقيب ولا حسيب”. طوال فترة التصفيات، كانت هناك ملاحظات فنية وإدارية بالجملة على أداء الجهاز الفني والاداري، ورغم ذلك، لم يحرك المسؤولون عن الرياضة والكرة في مصر ساكنا ، وكأن المنتخب جزيرة منعزلة لا تخضع للمساءلة أو التقييم.
“إن تمثيل مصر في المحفل العالمي الأهم ليس هبة تمنح، بل هو حق أصيل لمن يثبت جدارته في الميدان. واستمرار مجاملة أسماء بعينها على حساب الأبطال الحقيقيين هو تذكرة مجانية نحو كارثة كروية قادمة.”
دق ناقوس الخطر
نحن اليوم لا نتحدث عن مجرد مباراة ودية أو بطولة إقليمية يمكن تدارك أخطائها، نحن على أعتاب كأس العالم، حيث لا مجال للمجاملات، وحيث تفضح السرعات والبدنيات العالية أي تراخ أو اختيار “بالمزاج”.
إذا لم تتدخل الجهات المسؤولة لفتح ملف هذه الاختيارات ومراجعة المعايير التي بنيت عليها، فإن الكرة المصرية لن تواجه مجرد إخفاق في المونديال، بل ستواجه انتكاسة طويلة الأمد تفقد فيها اللعبة الشعبية الأولى قيمتها ومعناها الأسمى: العدالة، والعطاء، والجدارة.