وائل السنهورى
عندما انطلقت صافرة البداية لأول نسخة من كأس العالم قبل نحو قرن من الزمان، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول تلك البطولة الناشئة إلى أكبر حدث رياضي على كوكب الأرض، ففي صيف عام 1930، اجتمعت 13 دولة فقط في أوروجواي لخوض تجربة جديدة أطلق عليها الاتحاد الدولي لكرة القدم اسم “كأس العالم”، لتبدأ رحلة استثنائية غيرت تاريخ اللعبة إلى الأبد.
كأس العالم.. حكاية 96 عامًا من التحول من 13 منتخبًا إلى 48 دولة
اليوم، وبعد أكثر من 95 عامًا على تلك البداية المتواضعة، أصبحت البطولة الكروية الأهم عالميًا، وتستعد لدخول مرحلة تاريخية جديدة في نسخة 2026 بمشاركة 48 منتخبًا للمرة الأولى، في تطور يعكس النمو الهائل الذي شهدته كرة القدم وانتشارها في مختلف أنحاء العالم.
ومنذ النسخة الأولى، لم تكن كأس العالم مجرد بطولة رياضية، بل تحولت إلى ظاهرة عالمية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، إذ أصبحت مناسبة ينتظرها الملايين من المشجعين واللاعبين والمنتخبات كل أربع سنوات، باعتبارها الحلم الأكبر والإنجاز الأهم في عالم كرة القدم.
كانت أوروجواي صاحبة شرف استضافة النسخة الافتتاحية عام 1930، كما نجحت في التتويج باللقب الأول بعد التفوق على منتخب الأرجنتين في المباراة النهائية.، ورغم أن البطولة ضمت 13 منتخبًا فقط، فإن النجاح التنظيمي والجماهيري منح الاتحاد الدولي لكرة القدم الثقة لمواصلة المشروع الذي تحول لاحقًا إلى أكبر بطولة رياضية في العالم.
وخلال العقود التالية، استقر عدد المنتخبات المشاركة عند 16 منتخبًا في معظم النسخ، وهو النظام الذي استمر لفترات طويلة، قبل أن تبدأ البطولة في التوسع تدريجيًا مع اتساع رقعة اللعبة وارتفاع عدد الدول المنضمة إلى الاتحاد الدولي.
وشهد مونديال 1982 في إسبانيا أول قفزة كبيرة في عدد المشاركين، بعدما ارتفع العدد إلى 24 منتخبًا، وهو ما منح فرصًا أكبر لمنتخبات جديدة للظهور على الساحة العالمية. وبعد ذلك بـ16 عامًا، دخلت البطولة مرحلة أخرى من التطور عندما ارتفع العدد إلى 32 منتخبًا بداية من نسخة فرنسا 1998.
واستمر نظام الـ32 منتخبًا على مدار سبع نسخ متتالية، بداية من مونديال فرنسا 1998 وحتى كأس العالم 2022 في قطر، وهي الفترة التي شهدت العديد من اللحظات التاريخية والنهائيات الخالدة التي ساهمت في تعزيز شعبية البطولة عالميًا.
ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، تدخل البطولة عصرًا جديدًا بمشاركة 48 منتخبًا، في أكبر توسع تشهده منذ تأسيسها. ويهدف هذا النظام إلى منح عدد أكبر من الدول فرصة الظهور في المونديال، بما يعزز انتشار اللعبة ويمنح القارات المختلفة تمثيلًا أوسع على الساحة العالمية.
ولم تقتصر التغييرات على عدد المنتخبات فقط، بل امتدت أيضًا إلى نظام المنافسات. ففي النسخة الأولى، اعتمدت البطولة على دور المجموعات ثم الأدوار الإقصائية، قبل أن تشهد بعض النسخ تجارب مختلفة.
وتظل نسخة 1950 في البرازيل من أكثر النسخ استثنائية في تاريخ المونديال، حيث لم تُقم مباراة نهائية بالشكل التقليدي، وتم تحديد البطل من خلال مجموعة نهائية ضمت أربعة منتخبات، ليحسم منتخب أوروجواي اللقب في واحدة من أشهر القصص الكروية على الإطلاق.
كما شهدت سبعينيات القرن الماضي تطبيق نظام المرحلتين في دور المجموعات، قبل أن يستقر الاتحاد الدولي تدريجيًا على النظام المعروف حاليًا، والذي يعتمد على دور المجموعات ثم الأدوار الإقصائية وصولًا إلى المباراة النهائية.
أما في نسخة 2026، فسيتم توزيع المنتخبات الـ48 على 12 مجموعة تضم كل منها أربعة منتخبات، على أن يتأهل صاحبا المركزين الأول والثاني من كل مجموعة، بالإضافة إلى أفضل ثمانية منتخبات تحتل المركز الثالث، ليبدأ بعدها دور الـ32 بنظام خروج المغلوب.
ورغم الانتظام الكبير الذي ميز البطولة عبر تاريخها الطويل، فإن كأس العالم تعرضت للتوقف مرتين فقط. فقد أُلغيت نسختا 1942 و1946 بسبب الحرب العالمية الثانية، التي فرضت ظروفًا استثنائية حالت دون تنظيم الحدث الرياضي الأكبر في العالم.
وعلى مستوى الإنجازات، يظل المنتخب البرازيلي صاحب المكانة الأبرز في تاريخ البطولة. فـ”السيليساو” هو المنتخب الأكثر تتويجًا بكأس العالم برصيد خمسة ألقاب أعوام 1958 و1962 و1970 و1994 و2002، كما يحمل رقمًا فريدًا باعتباره المنتخب الوحيد الذي شارك في جميع نسخ البطولة دون غياب.
ويأتي خلف البرازيل منتخبا ألمانيا وإيطاليا بأربعة ألقاب لكل منهما. فقد نجحت ألمانيا في التتويج بالبطولة أعوام 1954 و1974 و1990 و2014، بينما أحرزت إيطاليا اللقب في نسخ 1934 و1938 و1982 و2006.
أما منتخب الأرجنتين، فقد عزز مكانته بين كبار اللعبة بعدما رفع الكأس ثلاث مرات أعوام 1978 و1986 و2022، في حين توجت فرنسا باللقب مرتين عامي 1998 و2018، لتصبح من أبرز القوى الكروية خلال العقود الأخيرة.
كما نجحت أوروجواي، صاحبة اللقب الأول، في التتويج مرتين، بينما حققت إنجلترا وإسبانيا اللقب مرة واحدة لكل منهما، ليبقى عدد الأبطال محدودًا مقارنة بعدد المنتخبات التي شاركت في البطولة عبر تاريخها.
وتحمل نسخة كأس العالم 2026 العديد من الملامح التاريخية، ليس فقط بسبب زيادة عدد المشاركين، ولكن أيضًا لأنها ستقام لأول مرة بتنظيم مشترك بين ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، في تجربة غير مسبوقة من حيث الحجم والتنظيم وعدد المباريات.
وبينما تتغير الأنظمة وتتطور اللوائح وتتعاقب الأجيال، تبقى كأس العالم الحدث الرياضي الأكثر سحرًا وتأثيرًا في عالم كرة القدم. فهي البطولة التي صنعت أساطير اللعبة، وخلدت أسماء النجوم والمنتخبات، وحولت لحظات الانتصار والانكسار إلى جزء من ذاكرة الشعوب.
ومن 13 منتخبًا فقط في أوروجواي عام 1930 إلى 48 منتخبًا في مونديال 2026، تستمر رحلة كأس العالم في كتابة فصول جديدة من تاريخها الاستثنائي، محافظة على مكانتها كالحلم الأكبر لكل لاعب، والهدف الأسمى لكل منتخب يسعى إلى اعتلاء عرش كرة القدم العالمية.