حسين السمنودي
في زمن كثرت فيه الأضواء المسلطة على المشاهير وأصحاب المناصب والثروات، تبقى هناك نماذج عظيمة تعمل في صمت، وتصنع المجد الحقيقي دون أن تنتظر تصفيقًا أو تكريمًا. ومن بين هذه النماذج المضيئة يبرز عم صلاح، عامل البناء المصري البسيط، الذي لم يحمل يومًا لقبًا كبيرًا، لكنه حمل في قلبه رسالة عظيمة، ورسخ بجهده وكفاحه معنى الوطنية الحقيقية والانتماء الصادق لهذا الوطن.
لقد أمضى عم صلاح عمره كله فوق السقالات، وبين أكوام الأسمنت والطوب والحديد. استيقظ قبل شروق الشمس بسنوات طويلة، وعاد إلى منزله بعد غروبها منهك الجسد، لكنه كان راضي النفس، مؤمنًا بأن العمل شرف، وأن لقمة العيش الحلال هي أعظم ما يورثه الأب لأبنائه.
تحت أشعة الشمس الحارقة في الصيف، وفي برد الشتاء القارس، ظل يعمل دون شكوى. كانت يداه الخشنتان تحكيان قصة سنوات طويلة من الكفاح والعطاء. كان يبني البيوت والعمارات، لكنه في الوقت نفسه كان يبني حلمًا أكبر داخل منزله الصغير؛ حلم أن يرى أبناءه متعلمين نافعين لوطنهم ومجتمعهم.
ولم يكن عم صلاح وحده في هذه الرحلة الشاقة، فقد كانت إلى جواره زوجته المصرية الأصيلة، المرأة المكافحة الصابرة، التي آمنت بحلم زوجها وشاركته كل لحظات التعب والمعاناة. كانت سندًا حقيقيًا له، تشد من أزره حين يضعف، وتغرس الأمل في قلبه كلما اشتدت عليه الظروف.
رزقهما الله بثماني بنات، وفي مجتمع ما زال بعض الناس ينظرون إلى البنات نظرة قاصرة، أدرك عم صلاح وزوجته أن البنات نعمة من الله وأمانة يجب رعايتها. لم يفرق يومًا بين ابن وابنة، ولم يعتبر كثرة البنات عبئًا كما يفعل البعض، بل رأى في كل واحدة منهن مشروع نجاح وقصة أمل.
كان بإمكانه أن يكتفي بتعليمهن تعليمًا محدودًا، أو أن يدفع بهن إلى سوق العمل مبكرًا لمساعدة الأسرة، لكنه اختار الطريق الأصعب والأشرف. اختار أن يستثمر في العلم، وأن يحارب الفقر بالمعرفة، وأن يهزم الظروف بالإرادة.
مرت السنوات ثقيلة، وكان كل عام دراسي يحمل معه أعباء جديدة ومصاريف أكبر، لكن عم صلاح لم يتراجع. ربما حرم نفسه من كثير من احتياجاته، وربما تنازل عن أحلام شخصية كثيرة، لكنه لم يتنازل يومًا عن حلم بناته في التعليم والتفوق.
وكانت النتيجة مبهرة بكل المقاييس.
ثماني بنات… ثماني قصص نجاح.
ثماني طبيبات يحملن رسالة العلم والرحمة والإنسانية.
ثماني مواطنات صالحات يخدمن وطنهن من مواقع مختلفة، ويرددن كل يوم بصمات أبيهن وأمهن في وجوه المرضى الذين يعالجونهم وفي المجتمع الذي يخدمونه.
إن ما حققه عم صلاح ليس نجاحًا عائليًا فقط، بل انتصار وطني حقيقي. فالوطن لا يبنيه أصحاب الشعارات وحدهم، وإنما يبنيه الكادحون الذين يؤمنون بقيمة العمل والعلم. يبنيه الآباء والأمهات الذين يربون أبناءهم على الأخلاق والاجتهاد وتحمل المسؤولية.
لقد أثبت هذا العامل البسيط أن الإنسان لا يقاس بما يملك من مال، وإنما بما يتركه من أثر. وربما لم يمتلك عم صلاح قصورًا أو أرصدة ضخمة، لكنه امتلك ما هو أعظم من ذلك كله؛ امتلك جيلاً متعلمًا نافعًا لوطنه، وجعل من بيته الصغير منارة للنجاح والإصرار.
إن قصة عم صلاح تذكرنا بحقيقة مهمة، وهي أن مصر لم تُبنَ يومًا على أكتاف الأغنياء فقط، بل بُنيت بسواعد العمال والفلاحين والكادحين الذين عملوا في صمت وأخلصوا في أداء واجبهم. هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين يصنعون مستقبل الوطن دون أن يطلبوا مقابلاً.
وفي كل حجر وضعه عم صلاح في بناء عمارة أو منزل، كان يضع حجرًا آخر في بناء مستقبل بناته. وفي كل يوم عمل شاق كان يقترب خطوة جديدة من تحقيق حلمه الكبير. لذلك لم يكن نجاح بناته صدفة، بل كان حصاد سنوات طويلة من العرق والصبر والإيمان.
إن هذه القصة تحمل رسالة عظيمة إلى شباب مصر والعالم العربي. رسالة تقول إن الظروف الصعبة ليست نهاية الطريق، وإن الفقر ليس عيبًا، وإن النجاح لا يرتبط بالمكانة الاجتماعية بقدر ارتباطه بالإرادة والعزيمة. كما تؤكد أن تعليم البنات ليس رفاهية، بل استثمار حقيقي في مستقبل الأسرة والوطن معًا.
تحية تقدير واحترام لكل عامل بسيط يحمل هم أسرته فوق كتفيه، ولكل أم مصرية صابرة تكافح من أجل أبنائها، ولكل أب آمن بأن العلم هو الطريق إلى النهضة. وتحية خاصة لعم صلاح وزوجته، اللذين قدما درسًا خالدًا في الصبر والكفاح والوطنية الصادقة.
ففي زمن يظن فيه البعض أن البطولة لا تكون إلا في ساحات القتال أو خلف المنصات الكبرى، يثبت عم صلاح أن البطولة الحقيقية قد تكون في يد خشنة تحمل أدوات البناء، وفي قلب أب بسيط رفض الاستسلام للظروف، فصنع من بناته الثماني شموعًا تنير طريق الوطن وتخدم أبناءه، لتبقى قصته شاهدًا حيًا على أن مصر ستظل عظيمة بأبنائها المخلصين، وأن الكفاح الصادق لا بد أن يؤتي ثماره مهما طال الطريق ومهما اشتدت التحديات.
ومن هنا فإن قصة عم صلاح لا تتوقف عند حدود نجاح أسرة مصرية بسيطة، بل تتحول إلى رسالة وطنية وإنسانية عميقة لكل بيت في مصر وكل بيت في عالمنا العربي. رسالة تقول إن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه من مال، وإنما بما يملكه من إرادة وعزيمة وإيمان بالله وبالعمل الشريف.
فالفقر لم يكن يومًا عيبًا، ولم يكن نقص المال سببًا حتميًا للفشل، وإنما العيب الحقيقي أن يستسلم الإنسان لظروفه ويجعل منها شماعة يعلق عليها إخفاقاته وعجزه عن المحاولة. فالظروف الصعبة قد تؤخر النجاح، لكنها لا تمنعه عن أصحاب الإرادة الصلبة والعقول المؤمنة بأن لكل مجتهد نصيبًا.
كما أن إنجاب البنات ليس عارًا كما يظن أصحاب العقول المتحجرة، بل إن البنات نعمة من نعم الله، وكم من بنات رفعن رؤوس آبائهن وأمهاتهن بالعلم والأخلاق والنجاح وخدمة المجتمع. والعار الحقيقي ليس في إنجاب البنات، وإنما في النظرة القاصرة إليهن، أو في حرمانهن من حقهن في التعليم والتربية والفرصة الكريمة للحياة.
لقد رزق الله عم صلاح بثماني بنات، فلم ير فيهن عبئًا، ولم يعتبرهن سببًا للحزن أو الضيق، بل رآهن أمانة ورسالة ومسؤولية. فاجتهد وكافح وضحّى وصبر، وشاركته زوجته المصرية الأصيلة رحلة الكفاح الطويلة، حتى أثمر هذا الجهد ثماني طبيبات يرفعن اسم أسرتهن ووطنهن عاليًا بين الناس.
ولو أن عم صلاح جلس يومًا يبكي فقره، أو يتحسر على ظروفه، أو استسلم لكلام المحبطين، لما تحققت هذه القصة الملهمة التي تبعث الأمل في النفوس. لكنه اختار أن يعمل بدل أن يشكو، وأن يجتهد بدل أن يتذمر، وأن يصنع مستقبله بيديه بدل أن ينتظر من يصنعه له.
إن البكاء على الظروف لا يبني مستقبلًا، والتحسر على الصعوبات لا يصنع نجاحًا، أما العمل والاجتهاد والصبر والإيمان بالله فهي وحدها القادرة على تحويل الأحلام إلى حقائق. لذلك فإن أعظم درس تقدمه لنا قصة عم صلاح هو أن ننظر إلى ما نستطيع فعله لا إلى ما نفتقده، وأن نجعل من التحديات وقودًا للنجاح لا أعذارًا للفشل.
فالأوطان لا تبنى باليائسين ولا بالمتشائمين، وإنما تبنى بأصحاب الإرادة الذين يحولون المحن إلى منح، والآلام إلى آمال، والعقبات إلى جسور يعبرون فوقها نحو المستقبل. وقصة عم صلاح ليست مجرد حكاية عامل بناء بسيط، بل هي قصة مصر كلها؛ مصر التي انتصرت دائمًا على الصعاب، ونهضت بسواعد أبنائها المخلصين، وكتبت أعظم صفحاتها بالعرق والعمل والصبر.
ولهذا ستظل قصة عم صلاح وزوجته وبناته الثماني درسًا خالدًا في الكفاح والإيمان والعطاء، ورسالة أمل لكل إنسان يظن أن الظروف أقوى من أحلامه، بينما الحقيقة التي تؤكدها هذه القصة أن الإرادة الصادقة أقوى من الفقر، وأن العلم أقوى من الجهل، وأن الإنسان يستطيع أن يصنع مستقبله مهما كانت التحديات إذا امتلك العزيمة والإصرار.
فما بين الشكوى والعمل طريقان؛ طريق ينتهي بالحسرة والندم، وطريق ينتهي بالنجاح والفخر. وقد اختار عم صلاح طريق العمل والكفاح، فاستحق أن يصبح نموذجًا مشرفًا للعامل المصري البسيط، وللأب المكافح، وللأسرة المصرية الأصيلة، وليبقى اسمه شاهدًا على حقيقة خالدة: أن الأمم العظيمة لا يصنعها أصحاب الثروات وحدهم، بل يصنعها أيضًا البسطاء الذين آمنوا برسالتهم، وأخلصوا في عملهم، وربّوا أبناءهم على العلم والقيم والكرامة وحب الوطن.