على هامش الجدل الدائر حول أوضاع بعض المستشفيات الحكومية وما أثير من وقائع أثارت غضب الرأي العام، تبرز قضية أكثر عمقًا وأهمية من أي أزمة عابرة، وهي: كيف ينظر المواطن المصري إلى حقوقه؟
لا يزال كثيرون يتعاملون مع الخدمات العامة باعتبارها منحة أو مكرمة، بينما الحقيقة أن الحصول على خدمة لائقة ليس فضلًا من أحد، بل حق أصيل يرتبط بصفة المواطن نفسه.
فالمواطن هو دافع ضرائب، ودافع الضرائب هو صاحب حق.
قد يظن البعض أن الضرائب تقتصر على ما يُخصم من الرواتب أو ما تدفعه الشركات وأصحاب الأعمال، لكن الحقيقة أن المواطن يساهم في تمويل الدولة بشكل يومي، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال الضرائب والرسوم التي تدخل في مختلف السلع والخدمات التي يستخدمها.
لذلك، فإن المواطن لا يطلب إحسانًا حين يطالب بمستشفى تحترم كرامته، أو بمدرسة تقدم تعليمًا جيدًا، أو بخدمة حكومية تنجز معاملاته بكفاءة، أو بشارع نظيف وطريق ممهد ورصيف آمن يراعي احتياجات الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.
كل هذه حقوق أساسية، دفع المواطن ثمنها بالفعل.
في الولايات المتحدة وأوروبا، وحتى في كثير من الدول العربية، يدرك المواطن هذه الحقيقة جيدًا. فهو يعلم أن صفة “دافع الضرائب” تمنحه الحق الكامل في المطالبة بخدمات عامة تليق به، وأن حصوله على خدمة محترمة ليس منحة من مسؤول أو مؤسسة، بل التزام أصيل من الدولة تجاهه.
لهذا السبب، لا يشعر المواطن هناك بالحرج من المطالبة بحقه، ولا يُطلب منه الامتنان مقابل خدمة عامة جيدة، لأنه ببساطة يدرك أنه شريك في تمويلها.
أما نحن، فما زلنا بحاجة إلى ترسيخ ثقافة مختلفة، ثقافة تؤكد أن كلمة “مواطن” لا تعني مجرد الإقامة داخل حدود الوطن، بل تعني الشراكة والمسؤولية والحقوق المتبادلة.
فالمواطن ليس متلقيًا للخدمات، بل ممول لها وشريك في بنائها واستمرارها.
ومن هنا، فإن احترام المواطن لا يبدأ بالكلمات والشعارات، بل يتجسد في تفاصيل حياته اليومية؛ في مستشفى تحفظ كرامته، وفي شارع نظيف، وفي رصيف مناسب، وفي خدمة حكومية سريعة ومنظمة، وفي معاملة إنسانية تليق به.
وفي المقابل، فإن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات. فكما يطالب المواطن بخدمة جيدة، عليه أن يحافظ على المرافق العامة، ويلتزم بالقانون، ويسهم في بناء مجتمعه.
لكن تبقى الحقيقة الأهم: لا يمكن أن تُطلب الواجبات كاملة من مواطن لا يشعر بأن حقوقه مصانة.
المواطن رقم واحد، ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل مبدأ يجب أن ينعكس في السياسات والخدمات والمعاملات اليومية، لأن المواطن هو صاحب الحق الأصيل، ودافع الضرائب، والشريك الأول في بناء الوطن.