لا يمكن لأحد أن يقف في وجه قطار “التحول الرقمي” الذي يمر بكل مؤسسات الدولة بل إننا من أوائل الداعمين لإنهاء عصر البيروقراطية وعقود “الورقة والدمغة” التي أرهقت كاهل المواطن المصري لعقود وفي هذا السياق يأتي مشروع “كارت الخدمات الحكومية الموحد” كخطوة براقة تعد بدمج الدعم وتسهيل المعاملات وإيصال الحقوق لمستحقيها عبر شريحة ذكية واحدة
ولكن تعودنا ألّا ننبهر بالواجهات اللامعة دون التدقيق في التفاصيل والآليات فـ “الشيطان يكمن في التفاصيل” والتشريعات والقرارات التنفيذية لا تقاس بالنوايا الحسنة بل بمدى حمايتها للمواطن البسيط على أرض الواقع
من هنا نطلقها صرخة هل سيكون “الكارت الموحد” بوابـة للعدالة الرقمية المنشودة أم سيتحول إلى “معضلة تكنولوجية” تطيح بحقوق ملايين البسطاء تحت مقصلة “السيستم واقع” والتقارير الرقمية الجامدة؟
إن مفهوم “العدالة الاجتماعية” في الدستور المصري ليس مجرد شعار سياسي بل هو التزام دستوري أصيل بحماية الطبقات الأكثر احتياجاً وعندما نقرر اختزال حقوق المواطن في التموين والتأمين الصحي والدعم النقدي داخل “شريحة إلكترونية” واحدة، فإننا نضع أمنه الغذائي والصحي تحت رحمة “خوارزميات” قد تخطئ وتصيب وفي حال خطئها يكون الثمن جوع أسرة أو حرمان مريض من الدواء
إننا نطالب ومن منظور فقهي وتشريعي، بـ “حصانة رقمية للمواطن” لا يمكن قبول أن يحرم مواطن من حقه في الدعم لمجرد خطأ في تحديث البيانات أو لتفسير جامد من موظف خلف شاشة كمبيوتر لا يرى من المواطن سوى أرقام صماء يجب أن يصاحب هذا التحول الرقمي “شبكة أمان قانونية” تضمن سرعة الفصل في التظلمات وألا يمنع الدعم عن أي مواطن إلا بحكم أو قرار مسبق مسبب قانوناً وليس بـ “ضغطة زر” عشوائية
السيادة القانونية.. أين الجانب الرقابي والقضائي؟
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يتغافل عنه الكثيرون: أين تقع الأجهزة الرقابية والقضائية في هذه المنظومة الرقمية الجديدة؟
إن الرقمنة لا تعني أبداً إطلاق يد “السيستم” بلا حسيب أو رقيب. نحن بحاجة ماسة إلى تفعيل “الرقابة الاستباقية والموازية” من قِبل الأجهزة الرقابية (كالرقابة الإدارية والنيابة الإدارية) لضمان عدم انحراف الموظفين القائمين على إدارة هذه المنظومة عن جادة الصواب
إن غياب الروح الإنسانية والقانونية وراء الشاشات قد يفتح باباً جديداً من أبواب “الفساد المقنّع” أو “التعسف الرقمي”. لذلك، يجب أن تكون هناك آليات قضائية مرنة تابعة لمجلس الدولة والنيابة الإدارية للتحقيق الفوري في أي “حظر عشوائي” أو إساءة استخدام للسلطة التقديرية في استبعاد المواطنين من المنظومة، فالعدالة الإدارية يجب أن تسبق وتسير جنباً إلى جنب مع العدالة الرقمية
أما على الجانب الآخر من المعادلة فإن هذا الكارت يجب أن يكون السيف القاطع في مواجهة “مافيا التلاعب بالدعم” والتهرب من الرسوم إن الرقمنة الحقيقية هي التي تلاحق الحيتان والكبار الذين يستولون على حقوق الفقراء، وليست التي تتصيد أخطاء البسطاء نريد منظومة تكشف المستغلين وتضع بين يدي النيابة العامة والأجهزة الرقابية أدلة دامغة وسريعة لضرب الفساد بيد من حديد بقوة القانون وبشفافية التكنولوجيا.
يا سادة..
التكنولوجيا خادم مطيع للعدالة إذا أُحسن توجيهها ولكنها تتحول إلى طاغية أعمى إذا غاب عنها روح القانون ونبض الإنسانية ويقظة الأجهزة الرقابية إننا نريد “كارتاً موحداً” يحمي كرامة المواطن لا أن يعقدها، يمنحه حقه في ثوانٍ معدودات، ويقف حائط صد قانوني وتشريعي ضد الفساد والاستغلال
إن العدالة تحتم علينا أن نقول للمحسن أحسنت وللمخطئ أخطأت والمنظومة الرقمية الجديدة هي اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على موازنة كفتي الميزان كفة الكفاءة التكنولوجية والرقابة الصارمة وكفة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ولن نصمت حتى نضمن ألا تميل كفة على حساب قـوت الغلابة