يُعد الإبتزاز العاطفي هو شكل من أشكال التلاعب النفسي القائم على علاقة ذات طرفين يقوم فيها أحد الأطراف بإستخدام منظومة من التهديدات وأنواع مختلفة من العقاب في محاولة للسيطرة على سلوك الطرف الآخر
فإن الابتزاز العاطفي باسم بر الوالدين من أصعب التحديات النفسية التي قد يواجهها الأبناء، حيث تُستخدم المشاعر النبيلة والدينية (مثل الخوف، أو الإلزام، أو الشعور بالذنب) كسلاح للسيطرة، وإجبار الابن أو الابنة على التنازل عن حياتهم الشخصية أو اختياراتهم.
حيث يتضمن هذا التلاعب تحويل “البر والإحسان”
(الذي هو عبادة وقربة) إلى أداة ضغط مستمر تُشعر الطرف الآخر بأنه مُقصر دائمًا ولا يرضي والديه إلا بتنفيذ كافة رغباتهما، حتى لو كانت على حساب مستقبله أو صحته النفسية.
كما يتمثل استغلال بعض الآباء والأمهات لقضية بر الوالدين نوعًا من أنواع الخسران المبين حيث يظن بعضهم أنهم يحسنون صنعًا ويقومون بأمر الله، بينما يكمن الخلل في الفهم للنص القرآني، وليس في حجم الجهد المبذول مع الأبناء.
فإن البر عبادة عظيمة لكنه لا يبيح الظلم أو إلغاء شخصية الأبناء
كما أن الاستدلال بقوله تعالى: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا” لا يعني تحويل الحق الشرعي في البر إلى أداة ضغط أو وسيلة للسيطرة أو باب للظلم تحت غطاء ديني، فالشرع قرر أن بر الوالدين من أعظم العبادات، كما في قوله تعالى: “أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ”، وورد في الحديث الشريف أن أحب الأعمال إلى الله “بر الوالدين”.
لذلك فإن من أكتر الاشياء المربكة في مجتمعنا، هي الخيط الرفيع جداً الذي يفصل بين البر وبين إلغاء الإنسان لنفسه واحتياجاته في سبيل إرضاء الأهل.
الشعور بالذنب الخانق اللي بنحسه لمجرد إننا بنقول ‘لأ’ لحاجة بتؤذينا أو بتضغط على طاقتنا، مش نابع من قسوة في قلوبنا؛ هو ناتج عن ديناميكية علاقات غير صحية بنسميها الابتزاز العاطفي.
الابتزاز العاطفي باسم البر مش شرط يكون بقسوة واضحة؛ هو في الغالب بيجي في صورة صامتة ومؤثرة جداً:
زي التلويح المستمر بـ ‘الغضب والدعاء’، أو لعب دور الضحية وظهور أعراض التعب الجسدي المفاجئ لمجرد إنك اخترت شريك حياة، أو وظيفة، أو حتى مساحة شخصية مش على هواهم.
ليه الذنب ده بيفضل ملاحقنا؟
لأن الطفل اللي جوانا كبر وهو رابط شعوره بالأمان بالقبول المشروط من مقدم الرعاية. عقلك بيترجم الـ ‘لأ’ بتاعتك دلوقتي على إنها خطر بقطع الدعم العاطفي، فبيصيبك قلق حاد بيجبرك تتنازل عن حدودك وتيجي على نفسك، لمجرد تجنب الصدام وخسارة رضاهم.
علامات الابتزاز العاطفي من الأهل استخدام سلاح الذنب: •تذكير الأبناء الدائم بتضحيات الماضي بعبارات مثل: “أنا سهرت وتعبت وكبرت عشان في الآخر تعمل كذا…”، بهدف إشعارهم بالديون الأبدية.
•العقاب بالصمت أو المقاطعة: عند عدم تلبية طلب معين، يتم اللعبة العاطفية المتمثلة في التجاهل أو إظهار “الزعل” لإجبار الابن/الابنة على التراجع والاعتذار.
•التدخل في القرارات المصيرية: التحكم في نوع الدراسة، أو الوظيفة، أو حتى اختيار شريك الحياة، بحجة “نحن أعلم بمصلحتك”، وإذا خالفهم الابن يُتهم فوراً بـ “العقوق”.
•ربط الرضا بالطاعة المطلقة: إشعار الابن أن رضوان الله تعالى متوقف فقط على تنفيذ أوامرهم بحرفية، مما يولد خوفاً مستمراً من غضبهم.
•ابتزاز الاستقلال: لوم الأبناء على رغبتهم في الاستقلال وتكوين أسرة خاصة بهم، واعتبار هذا الاستقلال تخلياً عنهم.
• الفرق بين بر الوالدين والابتزاز العاطفي.
يجب التفرقة بين المفهومين لتتمكن من وضع حدود صحية، فالدين الإسلامي والأعراف السليمة رسما حدوداً واضحة:
•بر الوالدين (الإحسان والطاعة بالمعروف): هو طاعة في المباحات، ورعاية، وحسن معاملة، وخفض الجناح.
•الابتزاز العاطفي (التسلط): هو تحويل البر إلى تحكم مطلق يلغي شخصية الابن أو البنت، ويجبرهم على تحمل الأذى النفسي، وهو ما لا يقره الشرع؛ فالأصل في الطاعة ألا تضر المُطيع.
لذلك فإن التعافي ووضع الحدود مش معناه عقوق:
البر في جوهره هو الإحسان والرحمة، مش إنك تكون مسلوب الإرادة أو تضحي بسلامك النفسي. الأهل اللي بيمارسوا الأسلوب ده في الغالب هما كمان ضحايا لصدمات قديمة وخوف من الفقد مش واعيين بيه، لكن وعيك أنت بالديناميكية دي هو اللي هيحميك.
إنك تحط حدود صحية وتحمي مساحتك الشخصية، ده مش معناه إنك ابن قاسي.. ده معناه إنك إنسان ناضج، بيختار يبر أهله من مكان مليان حب واحترام حقيقي، مش من مكان كله خوف، وابتزاز، وتأنيب ضمير مستمر.