يفتح التصعيد الأمريكي الأخير ضد إيران صفحة جديدة من أخطر صفحات الصراع في الشرق الأوسط، بعدما تحولت الضربات العسكرية إلى سياسة معلنة لفرض الإرادة بالقوة، في مشهد يعيد إلى الأذهان عقودًا من التدخلات العسكرية التي تركت خلفها دولًا منهكة، واقتصادات مدمرة، وشعوبًا دفعت أثمانًا باهظة. وبينما ترفع واشنطن شعارات حماية الملاحة الدولية، تتسع دائرة المواجهة لتشمل أمن الخليج، وأسواق الطاقة، والاستقرار الإقليمي، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة يصعب احتواء تداعياتها.
تحول خطير
ولم تعد العمليات العسكرية مجرد ردود فعل متبادلة، بل باتت تعكس تحولًا واضحًا نحو استخدام القوة العسكرية كأداة لفرض الوقائع السياسية. فالضربات التي استهدفت مئات المواقع العسكرية الإيرانية، وما تبعها من تهديدات متبادلة وإغلاق لمضيق هرمز، تؤكد أن المنطقة أصبحت أمام مرحلة أكثر خطورة، عنوانها المواجهة المفتوحة، في وقت تتراجع فيه فرص الحلول الدبلوماسية أمام هدير الطائرات والصواريخ.
رؤية استراتيجية
ويرى اللواء يونس السبكي، الخبير الاستراتيجي، أن ما تشهده المنطقة لا يمكن قراءته باعتباره عملية عسكرية محدودة، وإنما يمثل محاولة لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط عبر الضغط العسكري المباشر. ويؤكد أن الولايات المتحدة تسعى إلى فرض معادلات جديدة تضمن استمرار نفوذها السياسي والعسكري، وتأمين مصالحها الاستراتيجية وخطوط الطاقة، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار المنطقة وسيادة الدول. ويضيف أن التاريخ يثبت أن التدخلات العسكرية الخارجية كثيرًا ما أفرزت أزمات أكثر تعقيدًا، وأن القوة وحدها لا تصنع سلامًا دائمًا.
تقدير أمني
ومن جانبه، يؤكد العقيد هاني الحلبي، الخبير الأمني، أن استهداف هذا العدد الكبير من المواقع العسكرية الإيرانية يحمل رسائل تتجاوز البعد العسكري، إذ يستهدف أيضًا البنية الدفاعية وقدرات الردع الإيرانية، بما يرفع احتمالات توسيع دائرة الردود لتشمل مناطق جديدة في الخليج والبحر الأحمر وربما قواعد عسكرية وممرات بحرية حيوية. ويشير إلى أن أخطر ما في المرحلة الحالية هو احتمال وقوع أخطاء في الحسابات العسكرية قد تدفع المنطقة إلى مواجهة شاملة يصعب السيطرة عليها.
ورقة هرمز
ويضيف أن إغلاق مضيق هرمز يمثل ورقة ضغط بالغة الخطورة، لأن هذا الممر البحري يعد أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على حركة الملاحة الدولية وأسعار الطاقة، وهو ما يجعل المجتمع الدولي أمام تحديات غير مسبوقة تتطلب تحركًا سياسيًا عاجلًا قبل اتساع رقعة الصراع.
تداعيات اقتصادية
اقتصاديًا، يؤكد الدكتور مصطفى التمساح، رئيس الاتحاد الأفريقي العربي للتنمية الاقتصادية، أن استمرار التصعيد ستكون له تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي، موضحًا أن أي اضطراب في تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد، وهو ما يؤدي إلى موجات جديدة من التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج، خاصة في الدول المستوردة للطاقة.
قلق الأسواق
ويشير إلى أن الأسواق المالية لا تخشى الحرب فقط، وإنما تخشى غياب اليقين، وهو ما يدفع المستثمرين إلى الهروب نحو الملاذات الآمنة، بينما تتراجع الاستثمارات في الأسواق الناشئة، الأمر الذي يضاعف الضغوط الاقتصادية على العديد من الدول، ويهدد بتباطؤ النمو العالمي خلال الفترة المقبلة.
حسابات سياسية
سياسيًا، يفتح التصعيد الباب أمام تغيرات واسعة في خريطة التحالفات الإقليمية والدولية، حيث تجد العديد من العواصم نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين الحفاظ على أمن الملاحة، ومنع اتساع الحرب، وتجنب الانخراط في مواجهة مباشرة قد تتجاوز حدود المنطقة. وفي المقابل، تتحرك الوساطات الإقليمية والدولية في محاولة لإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض، إلا أن نجاحها يظل مرهونًا بمدى استعداد القوى المتصارعة لتقديم تنازلات متبادلة.
مستقبل المنطقة
وتؤكد مجريات الأحداث أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق بالغ الحساسية، حيث تتشابك المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية بصورة غير مسبوقة، بينما يظل المدنيون والاقتصادات الوطنية هم الأكثر تعرضًا لتداعيات أي مواجهة ممتدة.
ويبقى المؤكد أن استمرار لغة السلاح لن يحقق استقرارًا دائمًا، وأن أي تصعيد جديد ستكون كلفته باهظة على المنطقة والعالم، في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى حلول سياسية شاملة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، حفاظًا على أمن الملاحة الدولية، واستقرار أسواق الطاقة، ومنع انزلاق الشرق الأوسط إلى حرب قد تتجاوز آثارها حدود الإقليم.
إذا كنت تريد أن يكون التحقيق أقرب إلى أسلوب تحقيقات الأهرام التقليدية، يمكنني أيضًا إعادة صياغته بلغة أكثر عمقًا ورصانة مع متون صحفية أكثر قوة مثل: “سياسة القوة”، “رسائل النار”، “رهان الهيمنة”، “شريان الطاقة”، “كلفة المواجهة”، و**”مستقبل غامض”**.