ليست سيناء مجرد بقعة على خريطة الوطن، وليست حدودًا شرقية تحرسها الجبال والرمال والرجال، بل هي صفحة مضيئة من كتاب مصر، كتبت سطورها دماء الشهداء، وحفظتها بطولات الجنود، ورواها عرق العامل والفلاح والبدوي وكل من آمن أن هذه الأرض ليست مجرد تراب، وإنما شرف وعقيدة وانتماء.
حين تذكر سيناء، تتجسد أمامك صورة الأرض التي عبر إليها المصريون ليكتبوا أعظم صفحات النصر، والأرض التي حاول الطامعون أن ينتزعوها، فعادت أكثر قوة وصلابة، وكأنها تقول لكل من يراها إن الوطن لا يُشترى ولا يُباع، وإنما يُصان بالدم والعمل والإخلاص.
سيناء اليوم لا تحتاج إلى كلمات الإعجاب بقدر ما تحتاج إلى سواعد تبني، وعقول تخطط، وقلوب تؤمن بأن تنمية هذه الأرض ليست مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما مسؤولية شعب بأكمله. فكل طريق يُشق، وكل مدرسة تُبنى، وكل مستشفى يُقام، وكل مزرعة تُزرع، هو خطوة جديدة نحو مستقبل يليق بمكانة هذه الأرض المباركة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن التنمية الحقيقية هي السلاح الأقوى في مواجهة كل التحديات. فحيث يوجد العمل يختفي اليأس، وحيث توجد المشروعات تزدهر الحياة، وحيث يجد الشباب فرصة كريمة يصبح الوطن أكثر أمنًا واستقرارًا.
وسيناء ليست أرضًا قاحلة كما يتصور البعض، بل هي كنز من الكنوز المصرية. تمتلك ثروات تعدينية هائلة، وسواحل تمتد على أجمل البحار، ومواقع سياحية يأسر جمالها القلوب، وأراضي صالحة للزراعة، ومقومات اقتصادية تجعلها قادرة على أن تكون واحدة من أهم مناطق التنمية والاستثمار في الشرق الأوسط إذا تضافرت الجهود واستمرت الإرادة.
ولأهل سيناء مكانة خاصة في قلب كل مصري. فقد كانوا دائمًا أهل نخوة وشهامة وكرم، يعرفون قيمة الأرض، ويحفظون العهد، ويقفون في الصفوف الأولى دفاعًا عن وطنهم. كانوا وما زالوا شركاء في صناعة الأمن، وأبناءً أوفياء حملوا الوطن في قلوبهم قبل أن يحملوه على أكتافهم.
إن سيناء تحتاج إلى الجامعات قبل المباني، وإلى المصانع قبل الشعارات، وإلى المستثمر الوطني الذي يؤمن برسالته، وإلى الإعلام الذي ينقل صورتها الحقيقية، وإلى المثقف الذي يغرس الوعي، وإلى الطبيب والمعلم والمهندس والمزارع، فكل هؤلاء جنود في معركة البناء التي لا تقل أهمية عن معركة التحرير.
وتحتاج أيضًا إلى أن يشعر كل مصري بأنها جزء من حياته، وأن ازدهارها ازدهار لمصر كلها، وأن كل نجاح يتحقق على أرضها هو نجاح لكل بيت مصري. فالأوطان لا تنهض عندما يعمل جزء منها، وإنما عندما تتحرك الأمة كلها في اتجاه واحد.
إن بناء الإنسان السيناوي لا يقل أهمية عن بناء الطرق والكباري. فالتعليم، والرعاية الصحية، والثقافة، والرياضة، وتمكين الشباب والمرأة، كلها ركائز تصنع مجتمعًا قويًا قادرًا على حماية منجزاته، والمشاركة في رسم مستقبل أكثر إشراقًا.
وسيناء، بما تحمله من تاريخ الأنبياء، وقدسية المكان، وروعة الطبيعة، تستحق أن تكون مقصدًا للعلم والسياحة والاستثمار والإبداع. فمن جبالها الشامخة إلى وديانها الهادئة، ومن شواطئها الساحرة إلى صحاريها الرحبة، تتجلى عظمة الخالق في لوحة لا يستطيع الإنسان إلا أن يقف أمامها بإجلال وتأمل.
لقد علمتنا سيناء أن الأرض التي تُروى بدماء الشهداء لا تعرف الهزيمة، وأن الوطن الذي يجتمع أبناؤه على قلب رجل واحد لا يستطيع أحد أن ينال منه. ولذلك فإن الحفاظ عليها وتنميتها هو وفاء لمن ضحوا، ورسالة للأجيال القادمة بأن مصر لا تترك جزءًا من أرضها بعيدًا عن التنمية والاهتمام.
ولأن سيناء كانت وستظل قلب مصر النابض، فقد كانت على مر التاريخ مطمعًا لكل من ظن أن الأوطان تُنتزع بالقوة أو تُشترى بالمال. تعاقبت عليها الأطماع، وتبدلت وجوه الغزاة، لكن بقيت الحقيقة واحدة لا تتغير؛ أن سيناء لا يحرسها الرمل ولا الجبل وحدهما، وإنما يحرسها شعب يؤمن أن الأرض عرض، وأن التفريط فيها خيانة لا يعرفها المصريون.
لقد شهدت هذه الأرض صراعات لم تهدأ عبر العصور، وكانت دائمًا عنوانًا للمواجهة بين الحق والطمع، بين أصحاب الأرض ومن أرادوا اغتصابها. وفي كل مرة كانت سيناء تثبت أن من يطمع فيها سيدفع الثمن غاليًا، وأن المصري إذا تعلق الأمر بوطنه، لا يحسب حسابًا لراحة أو خوف أو حياة، بل يقدم كل ما يملك، ويجود بالغالي والنفيس، حتى تظل راية مصر خفاقة فوق كل شبر من أرضها.
ولم تكن معارك سيناء مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل كانت دموع أمهات، وصبر زوجات، وأحلام شباب، ودماء شهداء امتزجت برمالها حتى أصبحت الأرض تعرف أسماءهم قبل أن يعرفها الناس. هؤلاء لم يدافعوا عن قطعة أرض، بل دافعوا عن هوية وطن، وعن كرامة أمة، وعن مستقبل أجيال لن ترى وجوههم، لكنها ستعيش آمنة بفضل تضحياتهم.
وإذا كانت الأطماع لم تتوقف، فإن يقظة المصريين لم ولن تتوقف أيضًا. فحماية سيناء ليست مسؤولية الجيش والشرطة وحدهما، رغم بطولاتهما الخالدة، وإنما هي مسؤولية كل مصري يؤمن بأن أمن هذه الأرض هو أمن مصر كلها، وأن عمرانها قوة للوطن، وأن تنميتها حصن منيع أمام كل من تسول له نفسه العبث بمقدراتها.
ستظل سيناء شاهدًا على أن الأوطان العظيمة لا تُصان بالشعارات، وإنما تُصان بالإيمان والعمل والتضحية. وستبقى أرض الفيروز رمزًا للعزة، وعنوانًا للصمود، ومدرسةً تعلم الأجيال أن هناك أوطانًا لا تُقاس بثمن، ولا تُقدر بكنوز الدنيا، لأنها رويت بدماء رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وما دام في مصر قلب ينبض، وجندي يقف على الحدود، ومواطن يعشق تراب وطنه، فإن سيناء ستظل مصرية الهوى والهوية، عصية على الانكسار، منيعة أمام كل طامع، محفوظة بإذن الله ثم بإرادة شعب لا يعرف إلا طريق الكرامة، ولا يقبل في الدفاع عن وطنه إلا أن يقدم كل ما هو غالٍ ونفيس.