بقلم : آمال بن شارف
في إحدى بوادِي الجزائِر، نصبت بدويَّةٌ وبعلها خيمتهمَا، ثمَّ ضمَّت صغيرها إلى صدرها راضيةً، هانئةً، تُرضعُ بيدٍ طفلهَا وبأخرى تحرِّك حساء قدرها على موقد من حطبٍ. قد اتَّكأَ على وسائدِ الرَّاحة زوجها محاولًا أن ينثر عليهَا شقاءَ يومهِ مُشاركًا زوجهُ بنات أفكارِهِ، يقصُّ عليهَا كيفَ باعَ حلِيب بقرتِهِ، التي هي مورد رزقهِم، وكفاف يومهِم. كانا يتجاذبانِ الحدِيث، يدفئهمَا أنسهما ببعضٍ غير أبهين بجفاءِ الصَّحاري. بمُحاذَاةِ تلك الخيمةِ، خيمة أخرى يسكنهَا رجلٌ يكفرُ العشيرَ، كثيرُ الشَّكوى والنَّقيرِ، قد ابتلاهُ اللَّه بخمس بنات قد خالطَ قلوبهنَّ نزقُ الشياطين ومكرهم.
كانُوا مهما تحرَّشوا بخيمة البدويَّة كي يفتنوا بينها وبين بعلها، ليتشتَّت شملهم، وتحلَّ عليهِم لعنَة الحسادِ وتلبسهم النِّقم بعد النِّعمِ، خيَّبت تلكَ الملِيحة محاولاتهم منتصرةً عليهم بحسنِ جوارهَا وصبرِهَا على آذاهم، فقد كانت تدفعُ مكرهم بأقداحِ الحليبِ وخبزِ الشَّعيرِ، ولكن هيهاتِ هيهاتِ أن يكفُّوا أو يهنُّوا. وبعد مضيِّ عهدٍ، قرَّر الجارُ وبناته أن يرحلوا غلًا وحسدًا بعد أن فاضت كأسهُم، فلم يطقوا أن يروا هناء تلكَ العائلةِ الصَّغيرةِ، فقد كان صفاءُ عيشها
ورضاهَا رغم عوزهَا وفقرِهَا يغيظُ الجار.
لكنَّ إحدَى بناتهِ استوقفت والدها وهم يهمُّون بالرَّحيلِ، لتعود أدراجها، وبينما البدويَّة جالسةٌ تحلبُ بقرتهَا وصغيرُها يحومُ حولها، هزَّت بنتُ إبليس وتد الخيمةِ، فإذا بالبقرةِ تثورُ مذعورة، تركل البدويَّة فيسقط الحلِيب أرضًا، ثمَّ تهرَعُ لا تلوِي على شيءٍ، تدوسُ الطِّفل حتَّى أزهقت أنفاسهُ.
جنَّت البدوِيَّة وراحت تندبُ وجهها وتشقُّ ثوبها لهولِ مرآهَا، ولم تترك البقرة حتَّى فصلت رأسها عن جسدهَا. وبينما هي
جالسةٌ إلى صغيرهَا تنوحُ وتبكي عليه، عاد زوجها وماهي إلَّا دقائق من الذُّهول والفزع، رأى فيها ابنهُ جثَّةً هامدةً وزوجته غارقة في الدِّماء وبقرته قد أصبحت أشلاءً. قبل أن تبدأ الزَّوجة حديثها لتقصَّ عليهِ ما حدث، كان لُبُّ الرَّجلِ
قد طارَ وجنَّ جنونه فانهال عليها ضربًا حتَّى كاد يلحقهَا بصغيرهَا، ثمَّ طلَّقها ورماهَا على أعتابِ قبيلتها.
مرَّت أيَّامٌ وبعدمَا يئستِ القبيلَة من أن تظفر بكلمةٍ واحدةٍ من البدويَّةِ، ذهبَ شيوخها إلى قبيلةِ زوجها يسألونَه عن حالها؛ فقد صامت عن الزَّاد والكلام. وما إن لمح الزَّوج جمعهم قادمًا، حتىّ هبّ هو ورجاله بالسُّيوفِ والبنادقِ ظانًّا أنَّهم جاؤوا لثأر. لم تغرب شَّمسُ ذاكَ المساء إلَّا والقبيلتانِ غارقتين في دمائهمَا.
بُشَّ، واستبشرَ الجارُ والحيرَة تتكاثرُ على محيَّاهُ، قائلًا متعجِّبًا لأصغرِ بناتهِ:
-ويحكِ! ماذا فعلتِ لتُبدِّل حالهم من حالٍ إلى محال؟
تبسَّمت الابنة وقد اختلطت الشَّماتة والفرحة علَى وجههَا، ثمَّ أنشأَت قائلةً:
-لا شيء يا أبي؛ فقط هززتُ الوتد!
ومنذ ذلك الحين، صارت حكايةُ البدويَّةِ وعائلتهَا خُرافةً تناقلتها الأجيالُ في مدينةِ النَّعامةِ، وكلَّما حدث حادثٌ شبيهٌ بقصَّة البدويَّةِ، ردّد النَّاس:
“…ولكن من هزَّ الوتد!”