ابراهيم مجدى صالح
أصدرت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة تقريرها الحقوقي حول واقع العنف ضد الأطفال في مصر خلال الربع الثاني من عام 2026، والذي يغطي الفترة من أبريل إلى يونيو 2026، بهدف تقديم قراءة تحليلية للوقائع التي أمكن رصدها وتوثيقها، وتحليل أنماط العنف والبيئات التي تقع فيها الانتهاكات والعوامل المرتبطة بها.
واعتمدت المؤسسة في إعداد التقرير على رصد وتوثيق الأخبار المنشورة في الصحف المصرية والمواقع الإخبارية ومنصات الأخبار الرقمية، إلى جانب ما توافر من بيانات وتصريحات رسمية، وذلك بهدف متابعة الوقائع التي تصل إلى المجال العام وتحليل الاتجاهات والأنماط المتكررة المرتبطة بالعنف ضد الأطفال.
وتؤكد مؤسسة ملاذ لدعم المرأة أن البيانات الواردة في التقرير لا تمثل حصرًا شاملًا لجميع وقائع العنف ضد الأطفال التي وقعت خلال فترة الرصد، وإنما تعكس الحالات التي أمكن الوصول إليها وتوثيقها من خلال المصادر المتاحة. كما أن الاعتماد على المصادر المفتوحة يجعل نتائج الرصد مرتبطة بدرجة توافر المعلومات المنشورة ونطاق التغطية الإعلامية ومستويات الإبلاغ عن الوقائع.
وتمكنت المؤسسة خلال الربع الثاني من عام 2026 من توثيق وتحليل 124 واقعة عنف ضد الأطفال، تنوعت بين التحرش، والاعتداء، والقتل، والاستغلال الاقتصادي، والإهمال، والخطف ومحاولات الخطف.
وجاءت وقائع التحرش في مقدمة أنماط العنف المرصودة بواقع 32 حالة بنسبة 25.8% من إجمالي الوقائع، تلتها الاعتداءات بـ 28 حالة بنسبة 22.6%، ثم القتل بـ 19 حالة بنسبة 15.3%، والاستغلال الاقتصادي بـ 18 حالة بنسبة 14.5%، والإهمال بـ 14 حالة بنسبة 11.3%، فيما سجلت وقائع الخطف ومحاولات الخطف 13 حالة بنسبة 10.5%.
ويشير التقرير إلى أن هذا التنوع في أنماط العنف يعكس تعدد المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال، والتي تتراوح بين الاعتداءات والانتهاكات التي تمس السلامة الجسدية والنفسية، وبين وقائع بالغة الخطورة تهدد حياة الطفل أو حريته أو سلامته بشكل مباشر.
كما تناول التقرير مستويات شدة العنف ومسارات تطوره، حيث أظهرت النتائج أن 50 واقعة بنسبة 40.3% صُنفت ضمن العنف منخفض الشدة وفق التصنيف التحليلي المعتمد للتقرير، بينما سجل العنف متوسط الشدة 42 حالة بنسبة 33.9%، وبلغ عدد الوقائع المصنفة ضمن العنف شديد الخطورة 32 حالة بنسبة 25.8%.
وتوضح المؤسسة أن تصنيف مستويات الشدة المستخدم في التقرير هو تصنيف تحليلي لأغراض الرصد ودراسة البيانات، ولا يمثل توصيفًا قانونيًا أو طبيًا للوقائع.
وفيما يتعلق بمسار تطور العنف، أظهرت نتائج الرصد أن 60 واقعة بنسبة 48.4% وقعت ضمن المرحلة الأولى من تطور العنف، بينما سجلت المرحلة الثانية، التي تعكس مستويات أكثر تصاعدًا من الخطورة، 45 حالة بنسبة 36.3%، في حين بلغت الوقائع المصنفة ضمن المرحلة الثالثة، وهي مرحلة العنف بالغ الخطورة، 19 حالة بنسبة 15.3%.
وتشير هذه النتائج إلى أهمية التعامل مع مؤشرات الخطر في مراحلها المبكرة، بما يتيح فرصًا أكبر للوقاية والتدخل قبل وصول العنف إلى مستويات أكثر خطورة.
وعلى مستوى بيئة وقوع العنف، تصدرت الشوارع والأماكن العامة قائمة البيئات المرصودة بواقع 43 حالة بنسبة 34.7%، تلتها المنازل بواقع 39 حالة بنسبة 31.5%، فيما سجلت أماكن أخرى، من بينها دور العبادة والعقارات والمحال التجارية والمتاجر والمقالب والكباري ودور الرعاية، 25 حالة بنسبة 20.2%.
كما رصد التقرير 8 حالات داخل المؤسسات التعليمية والمدارس، و5 حالات في أماكن العمل، و4 حالات في وسائل المواصلات.
وتشير هذه النتائج إلى أن وقائع العنف ضد الأطفال لا ترتبط ببيئة واحدة، وإنما قد تقع في مجموعة واسعة من الأماكن التي يتحرك فيها الأطفال ويعيشون ويتعلمون ويتنقلون، وهو ما يجعل حماية الطفل مسؤولية مشتركة تتجاوز الإطار الأسري وحده.
كما تناول التقرير العلاقة بين الجاني والطفل، حيث جاءت الوقائع التي تعذر فيها تحديد العلاقة بين الجاني والطفل في المرتبة الأولى بواقع 42 حالة بنسبة 33.9%، تلاها الأب بـ18 حالة، ثم الأم بـ12 حالة، والسائق بـ9 حالات.
وتوزعت بقية الوقائع بين عدد من أفراد الأسرة والمحيط الاجتماعي للطفل، إلى جانب معلمين وعمال وجيران وزملاء وأصحاب عمل وغيرهم. وتوضح المؤسسة أن ارتفاع نسبة الحالات التي لم تتوافر فيها معلومات كافية عن علاقة الجاني بالطفل يعكس، في جانب منه، طبيعة الرصد القائم على المصادر المفتوحة ومحدودية المعلومات المتاحة في بعض الوقائع.
أما فيما يتعلق بدوافع العنف، فجاء الدافع الجنسي في المرتبة الأولى بواقع 33 حالة بنسبة 26.6%، يليه الاستغلال الاقتصادي بـ16 حالة بنسبة 12.9%، ثم الخلافات الأسرية بـ14 حالة بنسبة 11.3%، والتأديب والعقاب العنيف بـ12 حالة بنسبة 9.7%.
كما رصد التقرير وقائع ارتبطت بدوافع أخرى، من بينها التخلص من الطفل، وخلافات الجيرة والمشاجرات، والشك في السلوك أو النسب، والسرقة، والانتقام من أحد الوالدين.
وعلى المستوى الجغرافي، رُصدت وقائع عنف ضد الأطفال في 20 محافظة خلال فترة التقرير، وجاءت محافظة الجيزة في المرتبة الأولى بـ25 حالة بنسبة 20.2%، تلتها القاهرة بـ22 حالة بنسبة 17.7%، ثم بني سويف بـ21 حالة بنسبة 16.9%. واستحوذت المحافظات الثلاث مجتمعة على 68 واقعة، بما يمثل 54.8% من إجمالي الوقائع المرصودة.
وتؤكد مؤسسة ملاذ لدعم المرأة أن التفاوت في أعداد الوقائع المرصودة بين المحافظات لا يمكن قراءته باعتباره انعكاسًا مباشرًا لمعدلات العنف الفعلية، في ظل اختلاف الكثافة السكانية ومستويات الإبلاغ والتغطية الإعلامية وتوافر المعلومات من محافظة إلى أخرى.
وقالت رضوى الخولي، المدير التنفيذي لمؤسسة ملاذ لدعم المرأة، إن التقرير يأتي في إطار جهود المؤسسة في مجال الرصد والتحليل وإنتاج المعرفة المتعلقة بقضايا حماية الطفل، موضحة أن الهدف من التقرير هو تقديم قراءة للوقائع التي أمكن توثيقها، وتحليل الأنماط والبيئات والعوامل المرتبطة بها، بما يدعم فهمًا أكثر دقة للمخاطر التي يتعرض لها الأطفال.
وأضافت أن اعتماد التقرير على الأخبار المنشورة في الصحف المصرية والمواقع الإخبارية ومنصات الأخبار الرقمية يتيح متابعة الوقائع التي تصل إلى المجال العام، إلا أن طبيعة هذا النوع من الرصد تفرض قراءة النتائج في إطارها المنهجي، إذ لا يمكن اعتبار الوقائع المنشورة أو المرصودة ممثلة بالضرورة للحجم الكامل لظاهرة العنف ضد الأطفال.
وأكدت الخولي أن تطوير قواعد البيانات وآليات الإبلاغ والتوثيق يمثل عنصرًا مهمًا في تحسين القدرة على فهم اتجاهات العنف ضد الأطفال، مشيرة إلى أهمية استمرار العمل على تعزيز آليات الكشف المبكر والتدخل الوقائي، إلى جانب دعم الأطفال وأسرهم وتطوير التنسيق بين الجهات المعنية بالحماية.
وأوضحت أن نتائج التقرير تؤكد الحاجة إلى التعامل مع العنف ضد الأطفال باعتباره قضية متعددة الأبعاد، تتطلب الجمع بين الوقاية والحماية والتدخل المبكر، إلى جانب المساءلة عند وقوع الانتهاكات، ومعالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي قد تزيد من تعرض بعض الأطفال للخطر.
ويأتي التقرير ضمن جهود مؤسسة ملاذ لدعم المرأة في متابعة وتحليل قضايا العنف ضد الأطفال، وتطوير الرصد القائم على البيانات المتاحة، ودعم النقاش العام حول سبل تعزيز حماية الأطفال، بما يساهم في تطوير تدخلات وسياسات أكثر قدرة على الاستجابة للمخاطر المختلفة التي يتعرضون لها.