عبدالرحيم عبدالباري
لم يعد التميز في القطاع الصحي يقاس بعدد المستشفيات أو حجم الإنفاق وحده، بل بقدرة المؤسسات على صناعة المعرفة، وتأهيل الكوادر، والحصول على اعتراف الهيئات العلمية الدولية التي لا تمنح اعتمادها إلا لمن استوفى أعلى معايير الجودة والكفاءة، ومن هذا المنطلق، يكتسب اعتماد أكاديمية قلب المبرة من الجمعية الأوروبية للتصوير القلبي الوعائي أهمية استثنائية، لأنه يمثل شهادة ثقة دولية في المنظومة الصحية المصرية، ويؤكد أن الدولة تمضي بثبات نحو ترسيخ مكانتها مركزًا إقليميًا وعالميًا للتدريب الطبي المتخصص، مستندة إلى رؤية واضحة تستثمر في الإنسان، وتؤمن بأن بناء العقول هو الطريق الحقيقي نحو مستقبل صحي أكثر تطورًا وريادة.

أعلنت وزارة الصحة والسكان اعتماد أكاديمية قلب المبرة التابعة للمؤسسة العلاجية مركزًا إقليميًا معتمدًا للتدريب في مجال التصوير القلبي الوعائي من قبل الجمعية الأوروبية للتصوير القلبي الوعائي (EACVI)، وهو اعتماد يحمل قيمة علمية ومهنية كبيرة، لأنه يأتي بعد مراجعات دقيقة لمستوى الأداء، والقدرات التدريبية، والبنية التحتية، ومدى الالتزام بالمعايير الأوروبية المعتمدة، وهو ما يعكس حجم التطور الذي شهدته المؤسسة العلاجية خلال السنوات الأخيرة، ويؤكد أن الاستثمار في التعليم الطبي المستمر أصبح أحد أهم محاور تطوير المنظومة الصحية المصرية، بما يضمن إعداد كوادر قادرة على مواكبة أحدث التطورات العالمية في علوم القلب وتشخيص أمراضه.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن هذا الاعتماد يمثل إنجازًا غير مسبوق، حيث أصبحت أكاديمية قلب المبرة أول مركز يحصل على هذا الاعتماد في مصر وقارة أفريقيا، والرابع على مستوى الشرق الأوسط، لتنضم إلى نخبة عالمية تضم مائة مركز فقط حول العالم، وهو ما يمنح هذا الإنجاز بعدًا استراتيجيًا يتجاوز حدود المؤسسة نفسها، ليعكس المكانة التي باتت تحتلها مصر على خريطة التعليم الطبي والتدريب المتخصص، ويؤكد أن الخبرة المصرية أصبحت محل تقدير وثقة من أكبر المؤسسات العلمية الدولية، بعد سنوات من العمل الجاد والالتزام بأعلى معايير الجودة والتميز.
وأضاف المتحدث الرسمي أن هذا الاعتماد جاء تتويجًا لجهود المؤسسة العلاجية في تطوير منظومة التعليم والتدريب الطبي، من خلال توفير أحدث أجهزة وتقنيات التصوير القلبي الوعائي، وتطبيق المعايير الأوروبية في البرامج التعليمية والعملية، بما يسهم في إعداد أطباء يمتلكون القدرة على التشخيص الدقيق والتعامل مع أكثر الحالات تعقيدًا، كما يفتح المجال أمام استقبال متدربين من مختلف الدول، ليصبح هذا الصرح العلمي مركزًا لتبادل الخبرات ونقل المعرفة، ويعزز من دور مصر في دعم المنظومة الصحية بالقارة الأفريقية والمنطقة العربية، انطلاقًا من إيمانها بأن العلم هو الأساس الحقيقي لأي نهضة طبية مستدامة.
ومن جانبه، أكد الدكتور محمد شقوير، رئيس المؤسسة العلاجية بوزارة الصحة والسكان، أن هذا النجاح تحقق بدعم وتعاون استراتيجي مع شركاء التنمية المستدامة، وفي مقدمتهم البنك التجاري الدولي CIB، الذي أسهم في دعم البنية التحتية للأكاديمية، وتعزيز كفاءتها الفنية والتعليمية، بما مكنها من استيفاء جميع متطلبات الاعتماد الأوروبي، مؤكدًا أن هذا النموذج يعكس أهمية التكامل بين مؤسسات الدولة والقطاع المصرفي الوطني في دعم المشروعات الصحية والتعليمية، وأن الشراكات الفاعلة أصبحت أحد أهم أدوات تحقيق التنمية المستدامة، عندما تتجه نحو الاستثمار في الإنسان والعلم والتكنولوجيا الحديثة.
وأشار الدكتور محمد شقوير إلى أن اعتماد أكاديمية قلب المبرة يجسد التزام الدولة المصرية بتطوير الرعاية الصحية وفق أحدث المعايير العالمية، ويعكس رؤية تستهدف بناء أجيال جديدة من الأطباء والباحثين القادرين على المنافسة إقليميًا ودوليًا، موضحًا أن المؤسسة العلاجية ستواصل تنفيذ برامجها الطموحة في التدريب والبحث العلمي، بما يسهم في تعزيز مكانة مصر على خريطة الطب العالمي، وخاصة في تخصصات القلب، التي تشهد تطورًا متسارعًا على مستوى العالم، وتتطلب تحديثًا مستمرًا للمعرفة والخبرة، وهو ما تعمل المؤسسة على تحقيقه من خلال منظومة تعليمية متكاملة تعتمد على الجودة والابتكار.
وتُعد أكاديمية قلب المبرة نموذجًا متقدمًا لما يمكن أن تصل إليه المؤسسات الطبية المصرية عندما تتكامل الرؤية مع التخطيط والإدارة والكفاءة العلمية، فهي تجمع بين الخبرة السريرية المتقدمة، والبرامج التدريبية المعتمدة دوليًا، وأحدث التقنيات المستخدمة في التصوير القلبي الوعائي، لتقدم خدمات تعليمية وتشخيصية تضاهي أكبر المراكز العالمية، كما أصبحت منصة علمية قادرة على إعداد كوادر مصرية وأفريقية تمتلك أدوات المعرفة الحديثة، وتسهم في رفع كفاءة الخدمات الصحية، وتدعم جهود الدولة في تحقيق التنمية الصحية المستدامة، وترسيخ مكانة مصر باعتبارها مركزًا إقليميًا للتميز الطبي.
وفي هذا الإنجاز تتجاوز قيمة الاعتماد حدود الشهادة الدولية، لتصبح رسالة تؤكد أن مصر لم تعد تكتفي بمتابعة التطورات العلمية، بل أصبحت شريكًا في صناعتها، وأن المؤسسات الصحية الوطنية باتت قادرة على منافسة أكبر المراكز العالمية عندما تتوافر الإرادة والتخطيط والاستثمار في الإنسان، كما يؤكد هذا النجاح أن الطريق إلى الريادة يبدأ من بناء الكفاءات، وتوطين المعرفة، والالتزام بمعايير الجودة، وهي المبادئ التي تواصل الدولة ترسيخها في مختلف قطاعاتها الصحية، ليظل اسم مصر حاضرًا بين الدول التي تصنع المستقبل بالعلم، وتكتب إنجازاتها بلغة العمل والتميز والاعتراف الدولي.