حسين السمنودي
التاريخ لا يكرر نفسه بالحرف، لكنه كثيرًا ما يعيد إنتاج المشاهد بأدوات مختلفة. فالأحداث تتغير، والوجوه تتبدل، والخرائط السياسية يعاد رسمها، لكن طبيعة الصراع بين الدول، ومحاولات التأثير على قراراتها، والسعي إلى استنزاف قدراتها، تبقى سمات متكررة في العلاقات الدولية.
ومن يتأمل تاريخ الدولة المصرية الحديث يدرك أن مصر كانت دائمًا دولة محورية في الشرق الأوسط، وأن مكانتها الجغرافية، وثقلها السياسي، وقوة جيشها، جعلتها في قلب كثير من الأزمات الإقليمية والدولية. ولهذا، لم يكن مستغربًا أن تتعرض عبر العقود لضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية، وأن تواجه تحديات تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة في إدارة الأزمات.
لقد شهدت خمسينيات وستينيات القرن الماضي أحداثًا مفصلية، كان أبرزها العدوان الثلاثي عام 1956، عندما تعرضت مصر لهجوم من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عقب قرار تأميم قناة السويس. ورغم التفوق العسكري للمعتدين آنذاك، فإن الإرادة السياسية وصمود الشعب والضغوط الدولية أدت إلى انسحاب القوات المعتدية، لتصبح تلك الأزمة علامة فارقة في التاريخ المصري الحديث.
لكن التاريخ لم يتوقف عند ذلك الحد، فقد دخلت مصر بعد سنوات في حرب اليمن، وهي تجربة يصفها كثير من المؤرخين بأنها كانت من أكثر التجارب العسكرية تكلفة من حيث الموارد والجهد البشري. وقد تركت تلك الحرب آثارًا على جاهزية القوات المسلحة في مرحلة شهدت توترات إقليمية متزايدة، قبل أن تأتي نكسة يونيو 1967، التي كانت واحدة من أصعب المحطات في تاريخ الأمة العربية.
ومع ذلك، لم تستسلم مصر للهزيمة، بل أعادت بناء قواتها المسلحة، وخاضت حرب الاستنزاف، ثم حققت انتصار أكتوبر 1973، الذي أثبت أن الجيوش القوية لا تُقاس بما تتعرض له من انتكاسات، وإنما بقدرتها على التعافي وإعادة البناء وتحقيق الإنجاز.
هذه الدروس التاريخية تؤكد أن الحفاظ على قوة الجيش وعدم استنزافه في صراعات غير محسوبة يمثلان أحد أهم عناصر الأمن القومي لأي دولة. فالجيوش تُبنى عبر سنوات طويلة من التدريب والتسليح والتخطيط، بينما قد يؤدي الانخراط في مواجهات غير مدروسة إلى استنزاف القدرات البشرية والاقتصادية.
وفي عالم اليوم، أصبحت أدوات الصراع أكثر تعقيدًا. فلم تعد المواجهات تقتصر على السلاح، بل ظهرت حروب المعلومات، والهجمات السيبرانية، والضغوط الاقتصادية، والحملات الإعلامية، ومحاولات التأثير على الرأي العام. ولهذا أصبحت إدارة الأزمات تعتمد على مزيج من القوة والهدوء، والردع وضبط النفس، والعمل الدبلوماسي إلى جانب الاستعداد العسكري.
وفي هذا السياق، تكتسب الحكمة السياسية أهمية خاصة. فالدولة التي تمتلك جيشًا قويًا ليست مطالبة بإظهار قوته في كل موقف، وإنما باستخدامه عندما تقتضي الضرورة ذلك، وبالطريقة التي تحقق المصلحة الوطنية وتحافظ على أمن البلاد واستقرارها.
ومن هنا، فإن التعامل مع أي حادث أو تطور إقليمي يجب أن يكون في إطار المعلومات المعلنة من الجهات الرسمية، بعيدًا عن الشائعات أو التفسيرات المتسرعة. فالأحداث قد تتشابه في ظاهرها، لكن لكل مرحلة ظروفها وحساباتها المختلفة، ولا يجوز القفز إلى استنتاجات لا تستند إلى أدلة.
إن مصر تمتلك اليوم مؤسسات دولة راسخة، وقوات مسلحة تعد من أقوى الجيوش في المنطقة، وخبرة تراكمت عبر عقود من التعامل مع مختلف التحديات. وهذه الخبرة تجعل من قراءة المشهد قراءة أكثر اتزانًا، تراعي المصالح الوطنية وتوازن بين الحفاظ على الأمن القومي وتجنب الانزلاق إلى مواجهات غير ضرورية.
كما أن الوعي الشعبي يمثل ركيزة أساسية في حماية الدولة. فكلما ازداد وعي المواطنين بطبيعة التحديات، وبأهمية تحري الدقة قبل تداول الأخبار، أصبحت محاولات إثارة الفوضى أو نشر الشائعات أقل تأثيرًا، وهو ما يعزز مناعة المجتمع في مواجهة الأزمات.
لقد أثبتت التجارب أن قوة مصر لم تكن يومًا في سلاحها وحده، بل في وحدة شعبها، وتماسك مؤسساتها، وإيمان أبنائها بأن استقرار الوطن مسؤولية مشتركة. فالجيش يحمي الحدود، والمؤسسات تدير الدولة، والشعب الواعي يحمي الجبهة الداخلية.
وفي النهاية، يبقى التاريخ مدرسة مفتوحة للأمم. ومن يقرأه جيدًا يدرك أن القوة الحقيقية ليست في الاندفاع، وإنما في حسن التقدير، وأن الحفاظ على مقدرات الدولة لا يقل أهمية عن امتلاك وسائل الدفاع عنها. ومهما اختلفت الظروف أو تبدلت الأحداث، فإن أمن مصر واستقرارها يظلان أولوية وطنية، تستوجب الحكمة، واليقظة، والالتفاف حول مؤسسات الدولة، والثقة في قدرة أبنائها على مواجهة التحديات.
حفظ الله مصر، أرضًا وشعبًا، وحفظ قواتها المسلحة، وسائر مؤسساتها الوطنية، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعلها دائمًا قادرة على مواجهة التحديات بعزيمة أبنائها، ووحدة صفها، وإرثها التاريخي الذي أثبت مرارًا أن هذه الدولة قادرة على تجاوز المحن وصناعة المستقبل.