بقلم: منال عمارة
لم يكن البحر يومًا عدوًا للإنسان، لكنه أصبح في السنوات الأخيرة شاهدًا على واحدة من أقسى الجرائم الإنسانية… جريمة الاتجار بالأمل.
مشاهد المركب الذي ظل مفقودًا أيامًا قبل العثور عليه قبالة سواحل طبرق، بعد أن ابتلع البحر عشرات الأرواح، ليست حادثًا عابرًا، كما أن صور المهاجرين الذين خاطروا بحياتهم للوصول إلى سبتة، ومنهم من انتهى به المطاف غريقًا، ليست مجرد أخبار موسمية. إنها وجه آخر لأزمة تتكرر كل يوم، عنوانها أن آلاف الشباب لم يعودوا يبحثون عن الثراء، بل عن فرصة للحياة.
المؤلم أن هؤلاء لم يهربوا من أوطانهم بقدر ما هربوا من شعورهم بأن المستقبل أغلق أبوابه في وجوههم. وهنا يظهر أخطر أنواع التجارة… تجارة الآمال.
تبدأ هذه التجارة بمهرب يعد الشباب بأن البحر مجرد طريق مختصر إلى حياة أفضل، لكنها لا تتوقف عند قوارب الهجرة غير الشرعية. فهناك من يمارسها بربطة عنق، أو من خلف شاشة هاتف، أو عبر إعلان براّق يعد الناس بالثراء السريع وتحقيق ملايين الجنيهات من خلال دورات تدريبية أو كورسات لا تراعي قدرات المتلقي ولا احتياجات سوق العمل، وإنما تراعي فقط حجم الأرباح التي ستدخل جيوب أصحابها.
ولأن الوهم لا يجد طريقه إلا إلى من فقد الأمل، فقد ساهمت عوامل عديدة في صناعة هذه البيئة. فما زال جزء كبير من منظومتنا التعليمية يعتمد على الحفظ والتلقين أكثر من اعتماده على التفكير والإبداع واكتساب المهارات. ولا أتحدث هنا عن الغش أو السماعات، وإنما عن فجوة حقيقية بين ما يتعلمه الطالب داخل الفصل الدراسي، وما يحتاجه سوق العمل خارجه. فيتخرج آلاف الشباب بشهادات معلقة على الجدران، بينما يفتقدون الأدوات التي تمكنهم من بناء مستقبلهم.
ثم تأتي الضغوط الاقتصادية لتزيد المشهد قسوة. فالطبقة المتوسطة، التي كانت تمثل صمام الأمان لأي مجتمع، أصبحت اليوم تكافح من أجل البقاء. وأصبح من الطبيعي أن يعمل رب الأسرة في وظيفته الأساسية، ثم يخرج إلى عمل ثانٍ وربما ثالث، قد لا يمت بصلة إلى مؤهله أو مكانته الاجتماعية، فقط حتى يستطيع توفير الاحتياجات الأساسية لأسرته. وعندما يتحول العمل الإضافي من خيار لتحسين المعيشة إلى ضرورة للبقاء، فإن المجتمع كله يكون أمام جرس إنذار حقيقي.
إن مواجهة هذه الأزمة لا تكون فقط بملاحقة مراكب الهجرة أو القبض على السماسرة، وإنما بتجفيف المنابع التي تصنع اليأس. نحن بحاجة إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للإنسان المصري، ويمنحه الفرصة قبل أن يمنحه النصيحة.
مشروع يقوم على شراكة حقيقية بين الدولة ورجال الأعمال والقطاع الخاص، لتوفير فرص عمل منتجة، وربط التعليم باحتياجات السوق، والتوسع في التدريب على التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والتسويق الإلكتروني، والعمل الحر، وغيرها من المهارات التي أصبحت تفتح أبواب رزق واسعة داخل الوطن وخارجه، وتمنح الشباب فرصة العمل من المنزل أو إلى جانب وظائفهم التقليدية.
وفي الوقت نفسه، لا بد من مواجهة حاسمة لكل من يتاجر بأحلام الناس. فلا فرق بين مهرب يدفع الشباب إلى قارب متهالك في عرض البحر، وبين من يبيع لهم أوهام النجاح والثراء وهو يعلم أنها لن تقودهم إلا إلى مزيد من الإحباط. كلاهما يتربح من ضعف الآخرين، وكلاهما يستحق محاسبة رادعة، لأن ضحاياه ليسوا مجرد عملاء، بل أسر فقدت أبناءها، وأطفالًا فقدوا آباءهم، ومستقبلًا يُهدر كل يوم.
إن الثروة البشرية هي أعظم ما تمتلكه الأمم، وهي المحرك الحقيقي للتنمية المستدامة. لكن هذه الثروة تحتاج إلى إدارة رشيدة، تستثمر في الإنسان، وتؤهله، وتحميه من الاستغلال، وتفتح أمامه أبواب الأمل الحقيقي لا الأمل المزيف.
فالمشكلة ليست أن الشباب يحلمون… وإنما أن هناك من حوّل أحلامهم إلى سلعة، ويبيع لهم الوهم، بينما يدفعون هم الثمن من أعمارهم، أو من مدخراتهم، أو من أرواحهم.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يشغل الجميع: كم مركبًا آخر يجب أن يغرق، وكم حلمًا آخر يجب أن يموت، حتى ندرك أن أخطر ما نواجهه اليوم ليس البحر… بل تجار الآمال؟