بقلم رحاب هاشم
التدليل الأعمى ليس حبا للابناء بل هو انسحاب مبكر لبعض أولياء الأمور من دورهم التربوي وصناعة ناعمة لـوحش مجتمعي لايعترف بالحدود حينما نعفي الطفل من عواقب أخطائه الصغيرة تحت مسمى (الحنان) نحن لا نحميه بل نزرع في وعيه بذرة خطيرة أنه فوق المساءلة هذا الوهم يكبر معه ليتحول تدريجيا إلى استهتار علني بالقانون وبأرواح الآخرين مدفوعا بيقين مشوه بأن هناك دائما مظلة عائلية تحميه من الحساب
فينشأ الطفل وهو يعتقد أن العالم يدور حول رغباته وأن القوانين وضعت لحماية الآخرين منه لا لردعه كما أن غياب الانضباط يفقد الابن القدرة على التعاطف فلا يعود قادرا على استشعار خطر أفعاله على حياة وأمن من حوله ( كقيادة السيارة برعونة او المشاجرات العنيفة التي تؤدي الى القتل )
ثم نرى تحول الآباء من مربين إلى محامين يدافعون عن أخطاء أبنائهم مما ينتج عنه بأنه يقتل داخل الابن الضمير الحي والرقابة الذاتية
فعندما يجد الوالوان أنفسهما أمام معضلة معاصرة تتستر خلف مفهوم ( مصطلح ) التربية الحديثة لتبني جسور الحوار وتستبدل القسوة بالفهم والقمع بالتفاهم نجد أن التطبيق المشوه لها جردها من أهم أركانها وهو ( الانضباط
الحازم ) لتحل محلها سياسة ( اللامساس ) برغبات الطفل أو مشاعره حتى وإن اعتدى على حقوق الآخرين
فهناك خيط رفيع في التربية بين الحزم والاحتواء حيث كان جوهر التربية القديمة هي ( الصرامة والمسئولية ) التي قد يؤخذ عليها أحيانا من المبالغة في الشدة أو قلة المساحة للتعبير النفسي إلا أنها نجحت بامتياز في زرع احترام الكبير و السلطة وتحمل مسؤولية الأخطاء مبكرا وإدراك أن للأفعال عواقب لا مفر منها
وعلى الجانب الآخر ما يسمى الآن بالتربية الحديثة التي يكمن جوهرها في بناء شخصية واثقة عبر الاحتواء والحنان لكن حين تفهم خطأ كغياب للحدود تتحول إلى ( تربية هشة ) تصنع أفرادا يتغذون على الإفراط في الدلال ويفتقرون للقدرة على مواجهة أدنى مستويات الرفض أو التحدي في الحياة الحقيقية
فالحزم ليس قسوة والحب ليس حماية من العقاب
بل إن بناء جيلا سويا يتطلب موازنة دقيقة فالطفل لا يحتاج إلى محامي يبرر أخطاءه بل إلى مرشد يمسك بيده بثبات ويقول له ( أنا أحبك لكنك أخطأت وعليك إصلاح ما أفسدت)
إن حماية الأبناء الحقيقية لا تكون بتعبيد الطريق لهم وتسهيل خرقهم للقوانين بل بتعبيد نفوسهم لتقبل المسؤولية فالوالدان اللذان يغطيان على طيش ابنهما اليوم لن يستطيعا بناء مظلة تقيه من عدالة القوانين وحقيقة الحياة غدا
إذن لايوجد مابسمى بالتربية القديمة والتربية الحديثه بل هو مفهوم واحد فقط وهو
( التربية الصالحة ) وهي ليست حرمان الطفل من الحنان والقسوة عليه ولا إعفاءه من العواقب بل هي التوازن الذكي الذي يمنحه دفء الحب في أحضان أسرته ويغرس فيه هيبة القانون واحترام حقوق الآخرين في مجتمعه
لكي لا يصطدم هذا الشاب بجدار الواقع الصلب في الشارع والمؤسسات ومع القانون والمجتمع فلن يتعاملوا معه بمنطق ( الأب الحنون ) الذي يمسح أخطاءه بلمسة حنان بل بسيادة العدل وتطبيق العقوبة وهنا يحصل الانكسار الأكبر شاب عاجز عن تحمل المسئولية يفاجأ بأن رغباته
ليست أوامر وأن للعالم قوانين لا تنحني لأوهامه
فيتعرض لصدمة نفسية واكتئاب حاد عند أول مواجهة بمفرده ويصبح إنسانا هشا نفسيا لأنه لم يتعلم كيف ينهض
ويتحول الآباء من ( مربين ) إلى ( شركاء في الجريمة )
فحين يفر الوالدان بابنهما من العقاب اليوم فهما يجهزان له مقعدا في المحكمة أو مصيرا مأساويا غدا
عندما يتدخلا لحمايته من تبعات أخطائه (كتسديد غراماته أو الواسطة لإفلاته من العقاب) فإنهما لا ينقذانه بل يؤكدان له أن الجريمة مجرد خطأ بسيط يمكن محوه بالمال أو
النفوذ و هذا السلوك يحول الوالدان من ملاذ آمن إلى مشجع غير مباشر على الانحراف فالفرق بين الدعم والتمكين ان الدعم للابن يكون بالوقوف معه أثناء تحمله للعقاب والمساعدة في تصحيح سلوكه وليس بتبرئة ساحته وتبرير جرمه بل وقد تنقلب الدفة على الآباء بعصيان الابناء لهم والتعدي عليهم بالتلفظ او الضرب او القتل وعلى حقوقهم في الكبر او تركهم في دار مسنين
إذن التربية درع للغد لا مظلة لليوم و الحب الحقيقي ليس أن تمهد الطريق لابنك بل أن تعد ابنك لسلك الطريق فالوالدان اللذان يحبا ابنهما بصدق هما من يزرعا فيه النخوة و الخوف من أذية الآخرين واحترام النظام والقدرة على ضبط النفس لأن الأبناء ليسوا ملكية خاصة نلهو بها بعاطفة عمياء بل هم أمانة نقدمها للمجتمع إما أن نهديه أفرادا بفرسان ونبلاء يشيدون البناء أو نطلق فيه وحوشا صغيرة تهدم الاستقرار وتدمر أرواح الأبرياء