حسين السمنودي
حين تتحول المناسبة الدينية إلى لمسة وفاء.. ويصبح المسؤول قريبًا من العاملين معه
في أجواء مفعمة بالمحبة والود والفرح بذكرى مولد سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، ظهرت صورة جميلة من صور الإنسانية داخل مديرية أوقاف الشرقية، حين حرص فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، وكيل وزارة الأوقاف ومدير مديرية أوقاف الشرقية، على توزيع حلوى المولد النبوي الشريف على العاملين بالمديرية، في لفتة تحمل من المعاني الإنسانية أكثر بكثير مما تحمله علبة حلوى.
فالمناسبات الدينية لا تقاس فقط بحجم الاحتفالات أو عدد الفعاليات، وإنما بما تتركه من أثر في القلوب، وما تعيده إلى حياتنا من قيم الرحمة والمحبة والتكافل وحسن التعامل. ومن هنا جاءت هذه اللفتة البسيطة في ظاهرها، الكبيرة في معناها، لتؤكد أن القيادة الحقيقية ليست مكتبًا أو منصبًا أو تعليمات إدارية فحسب، وإنما هي أيضًا إحساس بالآخرين، وتقدير لمن يعملون، وحرص على أن يشعر كل إنسان بأنه جزء أصيل من المكان الذي ينتمي إليه.
وقد اكتسبت هذه المبادرة معناها الأجمل لأنها جاءت في مناسبة مولد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي كانت الرحمة إحدى أبرز سمات رسالته، والذي قال الله تعالى في وصفه: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
ومن هنا يمكن النظر إلى توزيع حلوى المولد على العاملين باعتباره رسالة محبة قبل أن يكون مجرد تقليد احتفالي؛ رسالة تقول إن فرحة المولد ينبغي أن تصل إلى الجميع، وإن العامل الذي يقضي ساعات يومه في خدمة المؤسسة، ويؤدي واجبه في صمت، يستحق أن يشعر بالتقدير والاهتمام.
الدكتور محمد إبراهيم حامد، الذي يتولى مسؤولية قيادة مديرية أوقاف الشرقية، يدرك أن المؤسسات لا تنهض بالقرارات وحدها، وإنما تنهض بالإنسان أولًا، وأن الموظف حين يشعر بأن قيادته تراه وتقدر جهده، يصبح أكثر قدرة على العطاء وأكثر ارتباطًا بالمكان الذي يعمل فيه.
وهذه الروح الإنسانية تكتسب أهمية خاصة داخل مؤسسة بحجم مديرية أوقاف الشرقية، التي تقوم بأدوار دعوية وإدارية ومجتمعية واسعة في مختلف أنحاء المحافظة. فقد شهدت المديرية خلال الاحتفال بالمولد النبوي الشريف نشاطًا دعويًا كبيرًا، وأعلنت عن تنفيذ نحو 800 فعالية دعوية خلال الأسبوع الأول من شهر ربيع الأول، تنوعت بين أمسيات وندوات وملتقيات تناولت السيرة النبوية والقيم الإنسانية والأخلاقية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم.
وهنا تتجلى المفارقة الجميلة؛ فحين تتحدث المؤسسة عن الرحمة والتكافل وحسن التعامل، يصبح من المهم أن تنعكس هذه القيم داخل المؤسسة نفسها، في علاقة المسؤول بالعامل، والمدير بالموظف، والكبير بالصغير.
ولذلك فإن حلوى المولد التي تصل إلى يد أحد العاملين ليست مجرد قطعة حلوى؛ إنها في معناها الأعمق كلمة شكر غير مكتوبة، وتحية تقدير، وابتسامة تقول لكل موظف: نحن نرى جهدك ونقدره، وأنت شريك في النجاح.
وقد يظن البعض أن مثل هذه التفاصيل صغيرة ولا تستحق الحديث، لكن الحقيقة أن بناء الروح داخل المؤسسات يبدأ غالبًا من التفاصيل الصغيرة. فربما لا يتذكر الموظف بعد سنوات قرارًا إداريًا عابرًا، لكنه قد يتذكر موقفًا إنسانيًا شعر فيه بأن رئيسه لم يتعامل معه باعتباره رقمًا في دفتر الحضور والانصراف، وإنما باعتباره إنسانًا له مشاعر وكرامة وتعب وأعباء.
إن القيادة الإنسانية لا تعني التهاون في العمل أو تجاوز اللوائح، بل تعني الجمع بين الحزم والرحمة، وبين الانضباط والاحتواء، وبين المسؤولية الرسمية والعلاقة الإنسانية.
وهذا ما يجعل هذه اللفتة جديرة بالإشادة؛ لأنها جاءت في وقت يحتاج فيه الإنسان إلى من يذكره بأن العمل ليس صراعًا دائمًا، وأن المسؤولية لا تلغي المشاعر، وأن المدير الناجح هو الذي يستطيع أن يحافظ على هيبة موقعه دون أن يفقد دفء الإنسان بداخله.
ومن أجمل ما يمكن أن يقال في هذه المناسبة إن الدكتور محمد إبراهيم حامد لم يكتفِ بأن تكون مديرية أوقاف الشرقية حاضرة في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من خلال الفعاليات الدعوية، وإنما امتدت أجواء الاحتفال إلى العاملين أنفسهم، ليشعروا بأنهم جزء من هذه المناسبة، وأن فرحة المولد ليست مقصورة على المنابر والمساجد والاحتفالات العامة، وإنما يمكن أن تدخل أيضًا إلى أروقة المؤسسات ومكاتب العاملين.
وهذه الروح تتسق مع ما أعلنته المديرية في فعاليات المولد من أن الاحتفاء بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يكون مجرد كلمات ومظاهر، بل يجب أن يتحول إلى سلوك وعمل، واستلهام لأخلاق الرحمة والتسامح وحسن التعامل.
ولعل أجمل ما في الأمر أن المسؤول حين يقدم شيئًا للعاملين معه في مناسبة دينية، فإنه لا يعطيهم فقط ما في يده، وإنما يعطيهم شعورًا بأنهم محل تقدير.
والتقدير في بيئة العمل ليس رفاهية، بل هو أحد أهم مفاتيح النجاح. فالعامل الذي يشعر بالتقدير يعمل بقلبه قبل يديه، والذي يشعر أن جهده غير مرئي قد يؤدي واجبه، لكنه يفقد شيئًا من الحماس والانتماء.
أما حين يجد أمامه قيادة تتذكره في المناسبات، وتشاركه أفراحه، وتقترب منه، وتمنحه شيئًا من الاهتمام، فإن العلاقة تتحول من مجرد علاقة وظيفية إلى روح من التعاون والانتماء.
وهنا تظهر قيمة الإنسان في القيادة.
فكم من مدير امتلك السلطة ولم يمتلك القلوب، وكم من مسؤول جلس خلف مكتب كبير، لكنه بقي بعيدًا عن مشاعر من يعملون معه. وفي المقابل هناك مسؤولون يتركون أثرًا طيبًا لأنهم يعرفون أن المناصب مهما طال بقاؤها إلى زوال، وأن الذي يبقى في ذاكرة الناس هو الموقف الطيب والكلمة الحسنة والابتسامة الصادقة.
والدكتور محمد إبراهيم حامد، في هذه المناسبة، يقدم نموذجًا لهذا النوع من التعامل الذي يضع الإنسان في مقدمة الاهتمام، ويؤكد أن المسؤولية الدينية والإدارية لا تنفصل عن الأخلاق الإنسانية.
فمولد النبي صلى الله عليه وسلم ليس مناسبة للحلوى وحدها، وإنما مناسبة لتذكر أخلاق المصطفى، وكيف كان قريبًا من الناس، رحيمًا بهم، حريصًا على مشاعرهم، متواضعًا في تعامله، عظيمًا في خلقه.
قال الله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
وإذا كانت ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم تدفعنا إلى التأمل في أخلاقه، فإن أجمل الاحتفال هو أن نحاول أن نقتبس شيئًا من هذه الأخلاق في تعاملاتنا اليومية؛ أن نرحم من حولنا، ونقدر جهودهم، ونحسن إليهم، ونفرح قلوبهم، ولو بشيء بسيط.
ومن هنا فإن مشهد توزيع حلوى المولد على العاملين يمكن أن يحمل رسالة أعمق من المناسبة نفسها: أن الإنسان قبل الوظيفة، وأن الكرامة قبل المنصب، وأن المحبة قادرة على صناعة بيئة عمل أكثر استقرارًا وإنتاجًا.
كما أن هذه اللفتة تؤكد أن المؤسسات الدينية لا ينبغي أن تكون مجرد أماكن لتنفيذ التعليمات، بل ينبغي أن تكون مدارس للأخلاق في كل تفاصيلها؛ فإذا كان المسجد يعلم الناس الرحمة، فيجب أن تكون الرحمة حاضرة في سلوك العاملين به؛ وإذا كانت المنابر تتحدث عن حسن الخلق، فيجب أن يظهر حسن الخلق في علاقة المسؤول بالموظف، وفي علاقة الموظف بزميله، وفي تعامل الجميع مع الجمهور.
وتظل الشرقية واحدة من المحافظات التي تشهد حضورًا دعويًا واسعًا خلال المناسبات الدينية، وقد أكدت قيادات المحافظة دعمها لأنشطة مديرية الأوقاف، خصوصًا ما يرتبط بنشر الفكر الوسطي المستنير وترسيخ قيم التسامح والتكافل وبناء الإنسان.
ومن هنا تأتي أهمية أن تكون الروح الإنسانية حاضرة إلى جانب العمل الدعوي والإداري.
فليس المطلوب من المسؤول أن يقدم الكثير، وإنما أن يعرف متى يقدم، وكيف يقدم، وأن يدرك أن الشيء البسيط قد تكون قيمته المعنوية أكبر من قيمته المادية بكثير.
وقد تكون علبة حلوى بسيطة، لكنها تحمل داخلها رسالة كبيرة: شكرًا لكم، أنتم جزء من النجاح.
وقد تكون لحظة توزيع بسيطة، لكنها تخلق في نفوس العاملين حالة من الفرح والانتماء يصعب تحقيقها بالكلمات الرسمية وحدها.
وفي النهاية، تبقى القيادة الحقيقية هي التي تستطيع أن تجمع بين هيبة المسؤول ورحمة الإنسان، وبين قوة القرار ودفء المشاعر، وبين الانضباط الإداري واللمسة الإنسانية.
وإذا كان الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم هو احتفالًا برسالة الرحمة والهداية والأخلاق، فإن أجمل ما يمكن أن تفعله المؤسسات في هذه المناسبة هو أن تجعل تلك القيم حاضرة في سلوكها قبل كلماتها.
ومن هنا تأتي الإشادة بهذه اللفتة الإنسانية من الدكتور محمد إبراهيم حامد، وكيل وزارة الأوقاف ومدير مديرية أوقاف الشرقية، في توزيعه حلوى المولد على العاملين بالمديرية، باعتبارها صورة بسيطة ولكنها معبرة عن معنى كبير: أن المسؤول الذي يفرح لفرح العاملين معه، ويقدر جهودهم، ويشاركهم مناسباتهم، يستطيع أن يصنع من مكان العمل أسرة كبيرة يجمعها الاحترام والتقدير والمحبة.
وفي زمن أصبحت فيه كثير من العلاقات تحكمها الأوراق والمكاتب والأختام، تظل اللمسة الإنسانية هي اللغة التي لا تحتاج إلى قرار إداري ولا إلى تعليمات مكتوبة.
فكلمة طيبة قد تغير يوم إنسان، وابتسامة قد تزيل تعبًا، وهدية بسيطة قد تفتح بابًا واسعًا من المحبة.
وهكذا يكون الاحتفال الحقيقي بالمولد النبوي الشريف؛ ليس فقط بأن نتحدث عن الرحمة، وإنما أن نمارسها، وليس فقط أن نذكر الأخلاق، وإنما أن نجعلها سلوكًا، وليس فقط أن نحتفل بمولد صاحب الخلق العظيم، وإنما أن نحاول أن نقتدي بشيء من عظمة أخلاقه.
كل عام والعاملون بمديرية أوقاف الشرقية بكل خير، وكل عام ومصر وأهلها في أمن وأمان، وكل عام وتظل ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم مناسبة تتجدد فيها المحبة، وتزدهر فيها الرحمة، وتعلو فيها قيم الإنسان.