في ذكرى رحيل الموسيقار بليغ حمدي فى 12 سبتمبر عام 1993 ، لا نتذكر فقط موسيقارًا صنع ألحانًا خالدة، وإنما نتذكر إنسانًا عاش الموسيقى بكل جوارحه، أحب كما لحن، وحزن كما غنى، وترك في كل نغمة شيئًا من قلبه. بليغ لم يكن مجرد ملحن يكتب للآخرين، بل كان يعيش كل إحساس يصنعه لحنًا. وربما كانت حكايته مع وردة الجزائرية أكثر فصول حياته تعبيرًا عن هذا الرجل الذي لم يعرف كيف يفصل بين القلب والموسيقى.
لم تبدأ قصة بليغ ووردة بالحب، وإنما بدأت بالموسيقى. أحبت وردة ألحانه قبل أن تحب بليغ نفسه، ورأى هو في صوتها مساحة يسكب فيها أحلامه ومشاعره. وحين عادت إلى مصر بعد سنوات من الغياب، كان بليغ في انتظارها، وكأن شيئًا لم يستطع أن يطفئ ذلك الحب. جاءت «العيون السود» لتكون أكثر من أغنية، كانت لقاءً مؤجلًا، ورسالة حب كتبها بليغ بالنغم بدلًا من الكلمات.
ثم تزوجا عام 1973، وعاشا سنوات اختلط فيها الحب بالفن. كان بليغ يلحن، وكانت وردة تغني، وكان كل منهما يجد في الآخر شيئًا من نفسه. لكن بعض قصص الحب لا تهزمها قلة المشاعر، وإنما تعجز الحياة عن الاحتفاظ بها. افترق بليغ ووردة، وانتهى الزواج، لكن الحكاية لم تنته في القلب. حمل بليغ حزنه إلى الموسيقى، فجاءت «الحب اللي كان» بصوت ميادة الحناوي، وكأنها اعتراف أخير بحب لم يستطع صاحبه أن يودعه. وظلت وردة حاضرة في ذاكرته، كما ظل بليغ حاضرًا في قلبها. وحين رحل، قالت وردة في واحدة من أكثر لحظات وداعها ألمًا: بودعك يا بليغ.. بودع الدنيا معك. رحل بليغ، ثم رحلت وردة بعده بسنوات، لكن قصتهما بقيت.
ولعل في كل قصة حب انتهت بالفراق شيئًا من هذه الحكاية.. فليس كل ما ينتهي يختفي، وليس كل من يبتعد يخرج من القلب. هناك أشخاص نعبر معهم سنوات من العمر، ثم تفرقنا عنهم الأيام، لكن تبقى منهم أغنية، أو ذكرى، أو لحظة لا نعرف لماذا عادت إلينا بعد كل هذه السنين. فالحب الحقيقي لا تقيسه النهاية، ولا يمحوه الغياب.. يكفي أنه مر من هنا ذات يوم، وترك في القلب شيئًا لا يشبه أي شيء آخر.