حسين السمنودي
في كل مستشفى هناك أطباء يمتلكون العلم والخبرة، وهناك من يتركون في نفوس مرضاهم شيئًا أكبر من مجرد وصفة علاج أو عملية جراحية ناجحة؛ يتركون شعورًا بالأمان، وكلمة طيبة، وابتسامة صادقة، وإحساسًا بأن المريض أمام إنسان يشعر بآلامه قبل أن يتعامل مع مرضه. ومن بين هذه النماذج يبرز الدكتور عمرو حسن، نائب مدير مستشفى الصالحية الجديدة المركزي، وأحد الجراحين المعروفين، الذي استطاع أن يجمع بين الخبرة الطبية والمسؤولية الإدارية والروح الإنسانية في التعامل مع المرضى.
الدكتور عمرو حسن لا ينظر إلى المريض باعتباره مجرد حالة طبية تحمل رقمًا أو ملفًا داخل المستشفى، وإنما يتعامل معه باعتباره إنسانًا جاء وفي داخله خوف وقلق وألم، وربما جاء وهو يحمل كثيرًا من الأسئلة التي لا يجد لها إجابة. وهنا تظهر قيمة الطبيب الحقيقية؛ فالمريض لا يحتاج إلى يد الطبيب الماهرة فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى قلب يطمئنه، وعقل يشرح له، ولسان يخفف عنه وطأة الخوف.
وفي عالم الجراحة تحديدًا، حيث تتطلب المهنة دقة شديدة وتركيزًا كاملًا وسرعة في اتخاذ القرار، تصبح الخبرة العلمية عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه. والجراح الناجح هو من يستطيع أن يوازن بين المعرفة الطبية الدقيقة وبين القدرة على التعامل مع كل حالة وفق ظروفها واحتياجاتها، وهو ما يجعل الجراحة مسؤولية كبيرة تتجاوز حدود غرفة العمليات إلى ما قبلها وما بعدها.
واللافت في شخصية الدكتور عمرو حسن أن دوره لا يتوقف عند كونه جراحًا، بل يمتد إلى مسؤوليته كنائب لمدير مستشفى الصالحية الجديدة المركزي، وهي مسؤولية إدارية تحتاج إلى قدرة على التنظيم والمتابعة والتواصل وحل المشكلات والتعامل مع مختلف أطراف المنظومة الصحية. فالإدارة داخل المستشفى ليست مجرد أوراق ومكاتب وقرارات، وإنما هي إدارة لأرواح بشرية، وتنظيم لجهود أطباء وتمريض وفنيين وعاملين، وكل دقيقة فيها قد يكون لها تأثير مباشر في حياة مريض ينتظر الرعاية.
ومن هنا تأتي أهمية الطبيب الذي يفهم الإدارة باعتبارها امتدادًا للرسالة الطبية، وليس ابتعادًا عنها. فحين يجمع الطبيب بين المعرفة الطبية والخبرة الإدارية، يصبح أكثر قدرة على فهم احتياجات المرضى، وأكثر إدراكًا للتحديات التي تواجه الأطقم الطبية، وأكثر قربًا من التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في نظر البعض، لكنها بالنسبة للمريض قد تكون مسألة شديدة الأهمية.
أما الجانب الإنساني في شخصية الدكتور عمرو حسن، فهو الجانب الذي يلمسه المرضى بصورة مباشرة، ولذلك ليس غريبًا أن يحظى بالحب والتقدير من أشخاص تعاملوا معه خلال رحلة علاجهم. فالمريض قد ينسى بعد سنوات اسم الدواء الذي تناوله، وقد لا يتذكر كل تفاصيل الإجراءات الطبية التي مر بها، لكنه غالبًا لا ينسى الطبيب الذي وقف بجواره في لحظة خوف، أو تحدث إليه باحترام، أو طمأنه عندما كان القلق يسيطر عليه.
وهذه العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما تتشكل من مواقف متكررة؛ طريقة استقبال المريض، حسن الاستماع إليه، احترام خصوصيته، شرح حالته بطريقة يفهمها، التعامل مع أسرته بهدوء، وعدم إشعاره بأنه عبء على الطبيب أو على المستشفى. وكل هذه التفاصيل تصنع في النهاية صورة الطبيب الذي يشعر المريض أنه أمام إنسان قبل أن يكون أمام صاحب مهنة.
والطبيب الذي يحظى بمحبة مرضاه لا يحصل على هذه المحبة بقرار إداري، ولا يمكن أن تفرضها وظيفة أو منصب، وإنما تأتي نتيجة تراكم طويل من المواقف والتعاملات. ولذلك فإن تقدير المرضى للطبيب يمثل في حد ذاته شهادة إنسانية لها قيمتها، خصوصًا عندما يأتي هذا التقدير من أشخاص عرفوه في أصعب لحظات حياتهم.
ومن الناحية العملية، فإن نجاح أي مستشفى لا يعتمد على جهاز حديث أو مبنى مجهز فقط، رغم أهمية كل ذلك، وإنما يعتمد في الأساس على البشر الذين يديرون هذه الإمكانات ويحولونها إلى خدمة حقيقية يشعر بها المواطن. والطبيب الذي يمتلك العلم والمهارة والقدرة على التواصل يصبح جزءًا أساسيًا من تطوير الصورة الذهنية للمؤسسة الصحية، لأن المريض في النهاية لا يتعامل مع المبنى، وإنما يتعامل مع الإنسان الموجود داخله.
ومن هنا يمكن النظر إلى الدكتور عمرو حسن باعتباره نموذجًا للطبيب الذي يجمع بين أكثر من مسؤولية؛ فهو جراح يحمل مسؤولية علمية دقيقة، ونائب مدير يحمل مسؤولية إدارية، وطبيب يتعامل يوميًا مع مرضى يحتاجون إلى الرحمة والاحترام قبل أي شيء آخر.
إن المستشفى الحقيقي ليس فقط غرفًا للعمليات وأقسامًا للطوارئ وعيادات وأجهزة، بل هو منظومة متكاملة عنوانها الإنسان. وكلما ارتقى التعامل الإنساني داخل المستشفى، ارتفعت قيمة الخدمة الطبية نفسها، لأن الطب في جوهره لم يكن يومًا مجرد علم، وإنما علم ورسالة وأمانة.
ولذلك فإن وجود نماذج طبية تجمع بين العلم والإدارة والإنسانية يمثل رسالة مهمة لكل الأجيال الجديدة من الأطباء؛ فالمريض لا يريد طبيبًا يحفظ الكتب فقط، وإنما يريد طبيبًا يعرف كيف يستخدم علمه في الوقت المناسب، وكيف يتخذ القرار الصحيح، وكيف يمسك بيد مريض خائف دون أن يشعره بأنه ضعيف أو منسي.
الدكتور عمرو حسن، نائب مدير مستشفى الصالحية الجديدة المركزي والجراح المعروف، يقدم صورة للطبيب الذي يمكن أن تكون فيه غرفة العمليات مدرسة للعلم، ومكتب الإدارة مساحة للمسؤولية، ولقاء المريض درسًا في الإنسانية. وهذه المعادلة هي التي تجعل الطبيب قريبًا من الناس، وتجعل اسمه حاضرًا في ذاكرتهم ليس فقط بسبب ما قدمه من علاج، وإنما بسبب الطريقة التي قدم بها هذا العلاج.
وفي النهاية، تبقى أعظم شهادة يمكن أن يحصل عليها الطبيب هي أن يخرج المريض من عنده وهو يشعر بأنه كان في أيدٍ أمينة، وأن يجد أسر المرضى من يتعامل معهم باحترام وتقدير، وأن يصبح اسم الطبيب مرتبطًا في وجدان الناس بالثقة والرحمة وحسن المعاملة.
فقد ينجح الطبيب في إجراء عملية، وينجح الجراح في علاج حالة، وينجح الإداري في إدارة مؤسسة، لكن النجاح الأكبر أن تجتمع هذه الصفات كلها في إنسان واحد يعرف أن مهنته قبل أن تكون وظيفة هي أمانة، وأن المريض قبل أن يكون حالة هو إنسان.
وهنا تكمن قيمة الدكتور عمرو حسن؛ طبيب وجراح وإداري، لكن قبل كل ذلك إنسان، والإنسانية هي اللغة التي يفهمها المريض دون الحاجة إلى ترجمة، وهي الأثر الذي يبقى طويلًا بعد انتهاء العلاج وخروج المريض من باب المستشفى.