بقلم دكتور/ طارق هلال
هل كل ما يحدث أمامنا هو كل ما يحدث فعلاً؟
سؤال قد يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى فلسفة السياسة، لكنه في عالم اليوم أصبح ضرورة لفهم ما يجري حولنا. فالأحداث الكبرى لا تنتهي لحظة وقوعها، وإنما تبدأ آثارها الحقيقية أحياناً بعد أن ينتهي صوت الانفجارات، وتبدأ مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ وموازين القوة والاقتصاد
والجغرافيا السياسية.
ولهذا، ربما لا يكفي أن نسأل: من فعل؟ علينا أن نسأل أيضاً: من دعم؟ ومن استفاد؟ ومن خسر؟ وماذا تغير بعد الحدث؟ تلك هي ببساطة قراءة ما وراء الحدث.
خذوا 11 سبتمبر 2001 نموذجاً. الفاعل وفق التحقيقات كان تنظيم القاعدة، والهدف المباشر كان الولايات المتحدة، لكن ما تلاه لم يكن مجرد عملية إرهابية انتهت بانتهاء يومها. بدأت بعدها حرب واسعة على الإرهاب، ثم جاءت الحرب في أفغانستان، وبعدها حرب العراق، رغم أن
لجنة 11 سبتمبر لم تجد دليلًا مقنعًا على أن العراق شارك في التخطيط لهذه الهجمات أو تنفيذها.
هنا يصبح السؤال مختلفاً: ماذا أنتج الحدث؟ دول دخلت حروباً، أنظمة سقطت، جيوش تفككت، حدود سياسية وأمنية اهتزت، وقوى إقليمية ودولية أعادت ترتيب مواقعها.
ثم جاءت ثورات ما سمي بالربيع العربي عام 2011، كان المعلن في بداياته مطالب تتعلق بالكرامة والعدالة وتحسين مستوى المعيشة والإصلاح السياسي، لكن مسارات الأحداث اختلفت بشدة من دولة إلى أخرى، ففي بعض الحالات حدث انتقال سياسي، وفي حالات أخرى تحولت الاحتجاجات إلى صراعات مسلحة وانقسامات وتدخلات خارجية وحروب طويلة.
وهنا مرة أخرى لا ينبغي أن نقف فقط عند السؤال: من بدأ الاحتجاج؟ بل نسأل: من دخل بعد ذلك؟ ومن سلح؟ ومن مول؟ ومن دعم؟ ومن استفاد من انهيار الدولة؟ ومن دفع الثمن؟ فليس من الضروري أن يكون الطرف الذي أشعل الشرارة هو نفسه الطرف الذي يحدد شكل النهاية. وهذه واحدة من أخطر قواعد قراءة السياسة الدولية.
انتقلوا إلى روسيا وأوكرانيا حيث دخل الصراع مرحلة الحرب الشاملة 24 فبراير 2022، بعد جذور وأحداث عسكرية وسياسية تعود إلى عام 2014. دخلت أوروبا بقوة في المشهد، وفرضت عقوبات، وقدمت دول أوروبية وأطراف غربية دعماً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً لأوكرانيا، بينما أصبحت الحرب جزءاً من مواجهة أوسع حول الأمن الأوروبي والنظام الدولي وموازين القوة بين روسيا والغرب.
والنتيجة لم تكن أوكرانيا وحدها من دفعت ثمنها. تغيرت أسواق الطاقة، واضطربت سلاسل الإمداد، وارتفعت تكاليف اقتصادية على دول متعددة، وأصبحت أوروبا أمام حسابات جديدة في الدفاع والطاقة والأمن. ولذلك فإن الحرب لا تقرأ فقط من خلال خطوط الجبهة، وإنما من خلال الخريطة الأوسع للمستفيدين والمتضررين.
وفي شرق آسيا، تظهر معادلة أخرى. الصين وتايوان والولايات المتحدة. لا توجد حرب شاملة بين الصين وتايوان، منذ عام 1949، نشأ واقع سياسي منفصل بين البر الرئيسي الصيني وتايوان، وتحول إلى واحد من أطول الصراعات الاستراتيجية في آسيا.
وهنا لا يتعلق الأمر بتايوان وحدها، وإنما بمستقبل القوة في آسيا، والتكنولوجيا، وأشباه الموصلات، والتجارة العالمية، وحدود النفوذ الأمريكي والصيني. أي أن الحدث الظاهر قد يكون محلياً، بينما الحساب الحقيقي قد يكون دولياً.
ثم نعود إلى الشرق الأوسط. إسرائيل وغزة ولبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران، ملفات تبدو للوهلة الأولى منفصلة، لكنها في الواقع تتقاطع في شبكة واحدة من الصراعات والتحالفات والتدخلات.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد، امتدت تداعياتها إلى لبنان واليمن والعراق وسوريا وإيران، وتداخلت مع صراعات وأزمات كانت قائمة أصلاً، فضلاً عن تأثيراتها على الملاحة والطاقة والاقتصاد الإقليمي والدولي.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت كل أزمة لها عنوانها الخاص، فلماذا تتزامن كل هذه الأزمات في منطقة واحدة؟ ومن هم اللاعبون الحقيقيون في كل ملف؟ هناك أطراف فاعلة معلنة، نعرفها ونراها وتعلن أهدافها. وهناك أطراف داعمة، قد تقدم السلاح أو المال أو المعلومات أو الغطاء السياسي. وهناك أطراف تتحرك بصورة غير مباشرة، من خلال وكلاء أو حلفاء أو أدوات ضغط سياسية واقتصادية وإعلامية. وهناك أطراف مستفيدة، وقد لا يكون من أشعل الحدث هو نفسه من استفاد من نتائجه، وقد لا يكون من دفع ثمنه هو من اتخذ قرار إشعاله.
ثم هناك الطرف الذي غالباً لا يملك مقعداً على طاولة صناعة القرار: الشعوب. الشعب الذي يدفع ثمن الحرب من أمنه. ويدفع ثمن الانقسام من دولته. ويدفع ثمن العقوبات من اقتصاده. ويدفع ثمن انهيار العملة من قوته الشرائية. ويدفع ثمن النزوح من بيته. ويدفع ثمن إعادة الإعمار من مستقبل أبنائه.
وهنا تظهر الصورة الأكثر قسوة. في السودان، وليبيا، واليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، وغيرها من الساحات التي عانت بدرجات مختلفة من الانقسام والصراع والتدخلات، لم يكن المواطن هو من يحدد دائماً شكل الصراع أو قواعده، لكنه كان في كثير من الأحيان أول من دفع ثمن نتائجه.
ولا يعني ذلك أن كل أزمة في العالم لها «غرفة سرية» تديرها جهة واحدة، أو أن كل حدث كان مخططاً له مسبقاً لتحقيق نتيجة محددة.
التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك. لكن السياسة الدولية لا تقاس بالنوايا المعلنة فقط. إنها تقرأ أيضاً من خلال النتائج. من زادت قوته؟ من توسع نفوذه؟ من فقد قدرته؟ من أصبحت أسواقه أكثر أهمية؟ من اضطر إلى شراء السلاح؟ من احتاج إلى الحماية؟ من أصبح أكثر اعتماداً على الخارج؟ ومن أصبح يملك قدرة أكبر على التأثير في القرار الدولي؟
هذه الأسئلة لا تقدم بالضرورة إجابة واحدة، لكنها تكشف شيئاً مهماً: أن الحدث قد يكون مجرد بداية، بينما إعادة توزيع القوة هي القصة الأكبر.
ففي عالم تتداخل فيه الحروب مع الاقتصاد، والسياسة مع الطاقة، والإعلام مع تشكيل الوعي، والسلاح مع إعادة رسم النفوذ، لم يعد كافياً أن نعرف ما حدث. علينا أن نتعلم كيف نقرأ ما بعد ما حدث. فربما يكون الحدث الذي نراه أمام أعيننا مجرد الصفحة الأولى. أما الصفحات التي تحدد شكل العالم الجديد…فهي غالباً تكتب بعده.
وربما هنا تحديداً يصبح السؤال أهم من الإجابة، لأننا إذا كنا نرى الحدث، فعلينا أن نبحث في نتائجه، وإذا عرفنا الفاعل، فعلينا أن نسأل عن الداعم والمستفيد والخاسر. فخلف كل حدث كبير، هناك ما نراه بوضوح… وهناك ما لا يظهر إلا عندما نقرأ ما حدث بعده.