بقلم
امير فيصل فرج أمين عام حزب الغد بسوهاج
لا تُقاس الدول بما تملكه من أرض وموارد وحسب، وغنما تقاس بقدرتها على تجديد دمائها، وبما تدخره من أجيال تتسلم الراية وهي تعرف وزنها، ومصر، التي عاشت آلاف السنين على ضفاف نهر واحد، تعرف أن البقاء صنعة لا يتقنها إلا من أحسن قراءة الزمن.
وكان العقد الأخير في هذه المنطقة درساً قاسياً في ضعف الكيانات حين تتصدع مؤسساتها، فدول عربية غير قليلة انزلقت إلى فراغ ملأته الميليشيات وتنازعته العواصم الأجنبية، وانقلب فيها معنى الدولة من عقد جامع إلى غنيمة تُقتسم، وسط ذلك المشهد المضطرب ظلت مصر شامخة وقادرة، لم يكن ذلك صدفة جغرافية ولا حظاً عابراً، وغنما بفضل بنية مؤسسية صلبة، شغلت القوات المسلحة فيها موقع الركن والعماد الذي لا يميل.
فالجيش المصري ليس غريباً وإنما هو الناس والمجتمع، بل إنه خارج من رحمه، يحمل ملامح قراه ومدنه ويعود إليها بعد انقضاء الخدمة، ومن هنا جاءت ثقة المصريين فيه، وهنا الفارق بين جيش يحمي الدولة وجيش يحكمها على نحو ما شهدته بلدان أخرى، وقد رأى كثيرون في انحيازه عامي 2011 و2013 انحيازاً لفكرة الدولة الوطنية لا لفصيل بعينه.
حماية الدولة لا تكتمل بالسلاح وحده، فالمؤسسة التي أدركت أن الخطر قد يتسلل من فراغ في الكفاءة كما يتسلل من حدود مفتوحة، التفتت إلى صناعة الكوادر، ومن هذا الباب دخل الشباب إلى المشهد، فالأكاديمية العسكرية وكلية الدفاع الوطني والأكاديمية الوطنية للتدريب والبرامج الرئاسية لتأهيل القيادات الشابة، كلها أخرجت دفعات تولّى بعضها مواقع نواب المحافظين ومساعدي الوزراء، وفُتح أمامها باباً ظل موصداً أمام أجيال سبقتها، والمنطق هنا عسكري فالرتبة تُنال بالتدريب لا بالحماسة، والتمكين يسبقه التأهيل، فلا يُقذف بشاب إلى موقع القرار وهو أعزل من الخبرة، ثم يُلام إن تعثر.
وفي خطابات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي تكررت فكرة بعينها، هي أن الشباب شركاء في القرار لا جمهور في القاعة، ومنذ مؤتمرات الشباب الأولى في شرم الشيخ، مروراً بمنتدى شباب العالم، وصولاً إلى المنتديات التي تحتضنها مصر وتخصصها لدعم الجيل الجديد وآخرها منتدى مصر 2026، ظل الرهان معقوداً على أن يتحول الحوار إلى مخرجات، وقيمة هذه المنتديات لا تُقاس بما يُلتقط فيها من صور ولا بما يُلقى من كلمات، وإنما بما يتفرع عنها من برامج وتوصيات تجد طريقها إلى الأجهزة التنفيذية، وبما تفرزه من وجوه تدخل دوائر الحكم بعد أن تجارب حياتية.
وهذا كله يمس صلب الأمن القومي فمشروعات ومؤامرات إسقاط الدول لا تبدأ بالدبابات في الغالب، وإنما بشرخ بين الجيل الجديد ومؤسسات بلده، تُنسج الشائعة، وتُضخَّم الأزمة، ويُزرع اليقين بأن الدولة كيان غريب عمن يعيشون فيها، وأنجع علاج لذلك أن يجد الشاب مقعده داخل البناء، فمن شارك في القرار يصعب أن يُقنع بهدمه، وهكذا تتحول سياسة إشراك الشباب من مجاملة اجتماعية إلى خط دفاع ناعم، يسدّ ثغرة طالما نفذت منها حملات التشكيك.
إن الاطمئنان وحده لا يصنع مستقبلاً، فاختبار هذه الرؤية الحقيقي أن يتسع الهامش تدريجياً، فيصير الشاب المؤهل صاحب قرار فعلي وأن تتجدد النخبة من أسفل كما تتجدد من أعلى، وأن تعرف المؤسسات كيف تصغي حين يخالفها من تدربوا في كنفها، فالدول التي تخشى أسئلة أبنائها تدفعهم إلى طرحها في أماكن أخرى، ومصر اليوم أمام فرصة أن تجمع بين صلابة المؤسسة وحيوية الجيل، وأن تجعل من الأولى سنداً للثاني ومن الثاني امتداداً للأولى، وإن نجحت في ذلك، فلن تكون الرؤية الشابة شعاراً يُرفع في المناسبات، بل طريقة في الحكم تمنح الدولة عمراً أطول مما تمنحه الجدران.