عبدالرحيم عبدالباري
من 1200 إجراء شهريًا في 2024 إلى 1700 في سبتمبر 2026، ثم 79 قسطرة في يوم واحد … أرقام تكشف اتساع القدرة التشغيلية، لكنها تفتح سؤالًا أهم عن نصيب المريض من هذا التطور.

في معهد القلب القومي، لا تتوقف دلالة ما جرى يوم 14 أكتوبر 2026 عند إجراء 79 قسطرة قلبية خلال 24 ساعة، فحين يُقرأ هذا الرقم إلى جوار ارتفاع متوسط الإجراءات الشهرية من 1200 إلى 1700، تصبح المسألة أكبر من يوم استثنائي في غرف القسطرة، إنها قصة توسع في حجم الخدمة الطبية، واختبار لقدرة المستشفيات المتخصصة على استيعاب أعداد أكبر من المرضى، دون التفريط في الدقة أو سلامة التدخلات.
الدكتور محمد مصطفى عبد الغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، أعلن تحقيق هذا المعدل القياسي، موضحًا أن اليوم شهد تدخلات متعددة، بينها 27 إجراءً لتركيب الدعامات العلاجية، و5 عمليات لتركيب منظمات القلب الدائمة، و4 تدخلات متخصصة في كهرباء القلب، وإجراءان باستخدام الموجات فوق الصوتية داخل الأوعية الدموية (IVUS)، إلى جانب توسيع الصمام الميترالي بالبالون، وهي إجراءات تختلف في طبيعتها ومتطلباتها، وتكشف عن تنوع الخدمات التي يقدمها المعهد.

**لكن الرقم الأكثر دلالة قد لا يكون 79، بل 500، فهذا هو الفارق بين متوسط النشاط الشهري في عام 2024 وما سجله المعهد في سبتمبر 2026، بزيادة تقارب 42% وفق الأرقام المعلنة، وهي زيادة تطرح سؤالًا عن كيفية توسيع الطاقة العلاجية في مؤسسة تتعامل مع أمراض لا تحتمل في كثير من الحالات تأخير التشخيص أو التدخل، كما تجعل تقييم التطوير مرتبطًا ليس فقط بحجم العمل، وإنما بمدى انعكاسه على رحلة المريض منذ وصوله إلى المستشفى وحتى استكمال علاجه.
وفي هذا السياق، شهدت منظومة العمل بالمعهد تطويرًا في أكثر من حلقة، إذ ارتفعت الطاقة الاستيعابية لقسم الاستقبال والطوارئ إلى 24 سريرًا مجهزًا، مع إعطاء الأولوية للحالات الأكثر خطورة، كما وصل عدد غرف القسطرة العاملة بكفاءة إلى 9 غرف بعد التحديث الشامل لغرفتين، بالتوازي مع رفع كفاءة الرعايات المتوسطة والمركزة، بما يدعم قدرة الفرق الطبية على التعامل مع الحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل ورعاية دقيقة.

هذه التفاصيل مهمة لأن القسطرة ليست غرفة مجهزة وجهازًا متطورًا فحسب، بل منظومة متكاملة تبدأ بالتقييم السريع، وتمر بالتدخل الطبي، وتمتد إلى الرعاية اللاحقة ومتابعة الحالة، وأي اختناق في إحدى هذه المراحل قد يؤثر على قدرة المؤسسة كلها، لذلك فإن زيادة عدد الغرف والأسرة لا تكتمل قيمتها إلا بتوافر الأطقم المؤهلة والمستلزمات والأدوية، وانتظام التشغيل، والتنسيق بين الطوارئ والقسطرة والرعاية المركزة.
ومع ذلك، فإن القراءة المهنية لهذه الأرقام تقتضي التمييز بين زيادة حجم النشاط وإثبات تحسن النتائج العلاجية، فارتفاع عدد الإجراءات مؤشر على اتساع الخدمة، لكنه لا يكشف وحده عن متوسط انتظار المرضى، أو نسبة الحالات التي حصلت على التدخل في الوقت المناسب، أو معدلات المضاعفات والوفيات، أو نتائج التعافي بعد العلاج، وهي مؤشرات من شأن نشرها أن يمنح الجمهور صورة أكثر اكتمالًا عن أثر التطوير، وأن يساعد على تقييم جودة الخدمة إلى جانب حجمها.

وقد وجّه الدكتور محمد مصطفى عبد الغفار الشكر إلى الفرق الطبية والتمريضية والفنية والإدارية والعاملين بالمعهد القومي للقلب، تقديرًا لجهودهم في تحقيق هذا المعدل من التشغيل، فالعنصر البشري يظل أساس تحويل الإمكانات والتجهيزات إلى خدمة فعلية، خصوصًا في تخصص يحتاج إلى سرعة القرار، ودقة التنفيذ، والعمل الجماعي تحت ضغط الوقت.
في النهاية، يضع ما حققه المعهد القومي للقلب أمامنا معادلة تستحق المتابعة: كيف تتحول زيادة القدرة التشغيلية إلى تقليل ملموس في معاناة المرضى؟ الإجابة لا يقدمها رقم قياسي واحد، بل تقدمها بيانات مستمرة عن الانتظار وجودة العلاج وسلامة المرضى، وعندما تتوافر هذه المؤشرات إلى جانب أرقام التشغيل، يصبح من الممكن قياس التطوير بما يتجاوز عدد القسطرات، إلى أثره الحقيقي في حياة الناس.